محمود شيت خطاب
190
الرسول القائد
ونظّم خطّة القتال ، فانتخب مواضع الرماة لحماية ظهور المسلمين ، وخصّص لهذه المواضع قوة كافية للدفاع عنها بإمرة قائد مسؤول . إنّ كل ذلك على أهميته لا يعتبر شيئا بالنسبة إلى ظهور عبقرية قيادته عليه أفضل الصلاة والسلام في أثناء القتال خلال الصفحة الثانية من معركة ( أحد ) حين طوّق المشركون المتفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين ، قوة المسلمين القليلة ، بعد أن انهارت معنويات الكثيرين منهم لما سمعوا خبر مقتل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في المعركة ، فلجأوا إلى الهضاب بعيدا عن ساحة المعركة ، وبقي مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم شرذمة قليلة من المسلمين يقاومون وحدهم زخم هجوم قريش في أوج قوته وعنفوانه وفي قمة انتصار قريش . لقد استطاع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بهذا الموقف الصعب للغاية بالنسبة للمسلمين الموفّق للغاية بالنسبة للمشركين ، أن يسيطر على الموقف في معركة يائسة جدا ، ويقود الباقين من المسلمين لشق طريقهم من بين القوات المعادية المتفوقة المحيطة بهم ، ثم يحتل موضعا مشرفا ، ويقوم بإعادة تنظيم قواته الباقية ويعيد إليها معنوياتها وبأسها وقوتها ، ويصد بها هجمات مضادة شديدة للمشركين ، فيحيل الهزيمة المتوقعة إلى نصر ، لأنه اضطر قريشا إلى اليأس من القضاء على المسلمين ، بعد أن كان فناء المسلمين أمرا ( حتميا ) ، ثم اضطرهم إلى الانسحاب من المعركة بعد اليأس من إبادة المسلمين . ولم يكتف بذلك بل خرج في اليوم الثاني من المعركة ، لمطاردة قوات المشركين ، حتى اضطرهم إلى استعمال الحيلة بإرسال المعلومات الكاذبة للمسلمين عن إعتزامهم إعادة الكرّة على قوات الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يكترث بهذا التهديد وإنما أعدّ العدّة وقرّر لقاء المشركين مهما تكن الظروف والأحوال . هذه قيادة عبقرية ، ظهرت للرسول صلّى اللّه عليه وسلم بهذه المعركة بشكل واضح كل الوضوح ، كان من بعض نتائجها أنها جعلت النصر إلى جانب المسلمين المغلوبين .