محمود شيت خطاب

187

الرسول القائد

ذلك لأن نتيجة كل معركة لا تقاس من الناحية العسكرية بعدد الخسائر بالأرواح فقط ، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي وهو القضاء المبرم على العدو ماديا ومعنويا . فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديا ومعنويا ؟ إن حركة خالد بن الوليد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك ، وقيام المشركين بالهجوم المضاد وإطباقهم على قوات المسلمين وهم متفوقون بالعدد بنسبة خمسة أمثال المسلمين . كل ذلك كان يحب أن تكون نتائجه القضاء المبرم على كل قوات المسلمين ، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة فواقا ساحقا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها ، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة بالمائة فقط من موجودها ، إلا انتصارا لتلك القوة الصغيرة بدون أدنى شك . ولا يمكن اعتبار اخفاق القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديا ومعنويا في مثل ذلك الموقف الحرج للغاية ، نصرا لتلك القوة الكبيرة على القوة الصغيرة . ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضا وإلا لما استطاع المسلمون الخروج من المدينة لمطاردة قريش بعد يوم واحد فقط من يوم ( أحد ) ، دون أن تجرأ قريش على لقاء المسلمين بعيدا عن المدينة ، خاصة وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت ( فعلا ) بمعركة ( أحد ) ، دون أن يستعين بغيرهم من الناس . إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه ( بأحد ) ، نصر عظيم لهم ، لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كل الجهات كان الفناء التام . ثم إن معركة ( أحد ) أتاحت للمسلمين معرفة المنافقين الذين كانوا بين صفوفهم بصورة لا تقبل الشك والمماراة ، وهذا مكسب عظيم لا يقدّر بثمن ولا تعدّ خسائرهم بالأرواح إلى جانبه شيئا مذكورا .