محمود شيت خطاب
115
الرسول القائد
ولم يؤثر نفسه بمال أو راحة على أصحابه ، وقد رأيت كيف ساوى نفسه مع أصحابه حتى في اعتقاب الإبل والمشي على الأقدام . وشاور أصحابه حين بلغه خبر خروج قريش ، وسمع رأي المهاجرين والأنصار في لقاء المشركين وقبل مشورة أحد أصحابه في تبديل معسكره في ( بدر ) حين نزل بأدنى ماء منها ، فانتقل بالمسلمين إلى حيث أشار الحباب ، وغوّر القلب وبنى حوضا على القليب الذي أتاه ؛ واستشار المسلمين في أمر الأسرى بعد المعركة ، وعمل بالرأي الذي أبداه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ومشايعوه . تلك مزايا القائد المثالي في كل زمان ومكان . ولا بدّ للقائد من مقرّ يسيطر منه على المعركة ، فبنى العريش فوق رابية مشرفة على ساحة المعركة ، وكان لمقره حرس بإمرة آمر مسؤول . كل ذلك جعل المسلمين يقاتلون كرجل واحد ، لغاية واحدة ، بقيادة قائد واحد . . . وهذا عامل مهم من عوامل النصر في كل حرب : ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) « 1 » . أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام : كان أكثر سراة قريش مع قوات المشركين ، ولكنّ البارزين من هؤلاء على ما يظهر هما رجلان : عتبة بن ربيعة وأبو جهل ، وقد رأيت كيف أنهما لم يكونا على رأي واحد ولم يكن لهما هدف واحد ، بل إنهما كانا أقرب إلى العداوة منهما إلى الإخاء . لذلك فقد طغت الأثرة الفردية على المصلحة العامة أثناء القتال ، وحاول كل رجل من رجالات قريش أن يظهر نفسه بطلا لتتحدث العرب عنه ، دون أن يكترث بأثر ذلك على نتائج المعركة .
--> ( 1 ) - الآية الكريمة من سورة محمد 47 : 7 .