عماد الدين خليل
96
دراسة في السيرة
والنيل والفرات ، ما صلتهما بالرحلة عبر السماوات ؟ « لقد عرف محمد في هذه الرحلة أن رسالته ستنساح في الأرض ، وتتوطن الأودية الخصبة في النيل والفرات وتنتزع هذه البقاع من مجوسية الفرس وتثليث الروم ، بل إن أهل هذه الأودية سيكونون حملة الإسلام جيلا في أعقاب جيل ، وهذا معنى رؤية النيل والفرات في الجنة ، وليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة كما يظن السذّج والبله » « 1 » . وفي رواية أنس بن مالك التي ذكرها البخاري في صحيحه « 2 » ، يرد قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « . . . ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ، وغشيها ألوان ما أدري ما هي ؟ . . » . . ونحن نسمع اليوم من رواد الفضاء ، عن الألوان التي تتراءى لهم عبر رحلاتهم في الفضاء وإلى القمر ، لا يدرون ما هي . . وهل يضم عالمنا الأرضي كل الألوان وكل المسميات ؟ ! وهل بمقدور لغات العالم كله ومصطلحاته أن ( تعبّر ) عن ( موجودات ) الكون الفسيح وأحداثه التي تنأى عن علمنا وبداهاتنا ومسلماتنا « 3 » ؟ « إن رؤية طرف من آيات اللّه الكبرى في ملكوت السماوات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين وتصغير جموعهم ومعرفة عقباهم . . واللّه عزّ وجلّ يتيح لرسله فرص الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه واستنادا إليه إذ يواجهون قوى الكفار المتألبة ويهاجمون سلطانهم القائم . . لقد جاء الإسراء والمعراج قريبا من منتصف فترة الرسالة التي مكثت ثلاثة وعشرين عاما وبذلك كانا علاجا مسح متاعب الماضي ، ووضع جذور النجاح للمستقبل » « 4 » . ولم تكن حادثة الإسراء والمعراج معجزة قاهرة أريد منها قهر الناس على الاعتقاد بصدق نبوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم كما كان يحدث للأنبياء السابقين ، ذلك أن القرآن الكريم سلك أسلوبا آخر في الإقناع يقوم على التأمل والمشاهدة والتجريب والحجة والبرهان ، وإلا لكانت حادثة الإسراء والمعراج قد جاءت في الأيام
--> ( 1 ) الغزالي : فقه السيرة ص 139 . ( 2 ) التجريد 1 / 38 - 39 . ( 3 ) يقول م . كريسي موريسون في كتابه Man Does Not Stand Alon ص 182 « إذا كانت الروح الخالدة تستطيع رؤية الأشياء كما هي ، فإنها تقدر أن تكتسب جميع الحواس المختلفة الرقيقة التي لكل الكائنات الحية ، وبذا تستطيع أن تدخل في ميادين جديدة عجيبة للمعرفة والتجربة والشعور . . . وهناك ألوان أزهى من أن تتحملها عيون البشرية تنتظر تطور قدرتنا على الإحاطة بها . . . » ! ! ( 4 ) الغزالي : فقه السيرة ، مقتطفات ص 138 ، 139 .