عماد الدين خليل
94
دراسة في السيرة
فإني قد جئته ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فرفع لي - أي بيت المقدس - حتى نظرت إليه » ثم راح يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول : صدقت ، أشهد أنك رسول اللّه . حتى إذا انتهى الرسول من وصفه ، التفت إلى صاحبه وقال : أنت يا أبا بكر الصدّيق « 1 » ! ! وينقل ابن إسحاق عن الحسن قوله : إن كثيرا ممن أسلم ارتد في أعقاب سماعهم الرسول يتحدث بأمر الإسراء والمعراج « 2 » ، ولا ريب أن في هذا التعليق مبالغة إذا ما عرضناه على المنطق الذي ناقش به أبو بكر الصديق القضية كلها : إن المسلمين الأوائل الذين انتموا للإسلام ، في عهد محنته ، تصديقا ، بما يجيئهم من الرسول صلى اللّه عليه وسلم من خبر السماء لا يمكن أن يهزهم نبأ الإسراء والمعراج ، ويردهم إلى حظيرة الكفر . . لكن هذا لا يمنع أن ( قلة ) من ضعاف الإيمان ، الذين يؤرجحهم التردد ، ويرهقهم طغيان قريش وحربها النفسية قد يجدون في هذا النبأ مجالا للانقلاب إلى عالم الكفر الذي خرجوا منه عن غير وعي أصيل ، والخلاص من الامتحان والاضطهاد اللذين أدركوا أنهما سيزدادان في أعقاب النبأ الجديد . يؤكد هذا ما ورد في مسند أحمد « 3 » من حديث ابن عباس الذي قال فيه « أسري بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس ، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره إلى بيت المقدس ، وبعيرهم ، فقال ناس : نحن نصدّق محمدا بما يقول ؟ فارتدوا كفارا ، فضرب اللّه أعناقهم مع أبي جهل » أي في معركة بدر . هذا هو الهيكل العام لقضية الإسراء والمعراج ، وردود الفعل التي أثارتها . وقبل أن نبدأ تحليل ( البعد الزمني ) للقضية ، وهو أخطر ما في الموضوع ، لا بد أن نستعرض - أولا - القيم والمعاني التي تتبدى من خلالها . لقد أسري بالرسول صلى اللّه عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى تأكيدا للرباط المتين الذي يشد البلدين إلى بعضهما ، حيث انطلق الأنبياء على مدار القرون ، يدعون إلى عبادة اللّه الواحد ورفض الصنميات الفانية . . في مكة حيث أقام إبراهيم أبو الأنبياء ، وابنه إسماعيل أول بيت للّه على الأرض . . وفي القدس حيث انبعثت نبوات متتالية تكافح من أجل تعزيز دعوة النبي الأب إبراهيم . وهناك كان الأنبياء الكرام السابقون ينتظرون ( خاتمهم ) لكي يؤمهم في صلاة جماعية ،
--> ( 1 ) ابن هشام ص 94 - 95 وانظر ابن سعد ( 1 / 1 / 144 . ( 2 ) ابن هشام ص 94 . ( 3 ) حديث رقم 4546 .