عماد الدين خليل

83

دراسة في السيرة

الذي دفع عثمان بن عفان ، وهو في قمة قريش غنى ومكانة وأمانا ومحبة وجاها ، إلى أن يتمرد على جاهليته ، ويقف في لحظات الدعوة الأولى ، الصعبة ، الغامضة ، الخطيرة ، بمواجهة قومه وعشيرته ، رافضا الغنى والمكانة والجاه والمحبة ، مختارا بدلا منها الفقر والاحتقار والزراية والخوف والكراهية ؟ حتى إنه ليستهين بسياط عمه وهي تنزل على ظهره من أجل أن يعود ثانية إلى حظيرة الآباء والأجداد ؟ وما الذي دفع أبا بكر - وعشرات غيره - إلى أن ينفقوا من أموالهم الخاصة التي سهروا وكدحوا على جمعها وتنميتها ، ينفقوها حتى آخر درهم ، حتى أن الرسول ليسأل رفيقه الصديق : وما الذي أبقيت لعيالك يا أبا بكر ؟ فيكون جوابه : أبقيت لهم اللّه ورسوله ! ! وما الذي دفع سعد بن أبي وقاص ، الغني المدلل ، إلى أن يرفض توسلات أمه ، وقد أوثقته رباطا ، من أجل أن يرتد عن دينه ، حتى ليسلمها الهم من جراء ذلك إلى المرض ، فما يكون جوابه إلا أن يقول للأم التي هي أعز الأحبة على قلوب الأبناء : واللّه يا أم لو رأيتك تموتين مائة مرة ثم تعودين ثانية إلى الحياة ما ردّني ذلك عن ديني ! ! . . وغير عثمان وأبي بكر وسعد . . . كثيرون ! ! لقد انتمى إلى الإسلام - كما يقول مونتكمري وات - شباب من أفضل العائلات ، وخالد بن سعيد أفضل ممثل لهذه الفئة ، ولكن هنالك آخرون غيره وكانوا ينحدرون من أقوى العائلات وأشهر القبائل ، تربطهم روابط متينة بالرجال الذين يملكون السلطة في مكة ، وكانوا في مقدمة أعداء محمد . ومن المهم أن نشير إلى أنه وجد في معركة بدر أمثلة على الأخوة والآباء والأبناء والعم وابن الأخ الذين كانوا يقاتلون في صفوف كلا الحزبين . ويمضي ( وات ) إلى القول بأن أهم فكرة نستخرجها من هذا ( العرض عن المسلمين الأول ) هو أن الإسلام الفتي كان في الأساس حركة شباب ، إذ أن معظم الذين نعرف أعمارهم لم يتجاوزوا الأربعين عند الهجرة - وبعضهم كانوا أصغر كثيرا - وكثير منهم كانوا قد اعتنقوا الإسلام منذ ثماني سنوات . ولم يكن الإسلام ، من جهة ثانية ، حركة رجال من طبقة مستضعفة من حثالة الناس أو من طفيليين صعاليك حطوا رحالهم في مكة . ولم يستمد الإسلام قوته من رجال الدرجة السفلى في السلم الاجتماعي بل من أولئك الذين كانوا في الوسط « 1 » . ثم ما يلبث ( وات ) أن يقع في نفس الخطأ الذي

--> ( 1 ) محمد في مكة ص 159 - 160 .