عماد الدين خليل

80

دراسة في السيرة

الصعبة . . وأعقب ذلك تمهيد نفسي وذهني ( مباشر ) تمثّل بتلك الأسابيع الطوال من العزلة والتأمل والتحنث في غار حراء ، انشقاقا على الأعراف والممارسات الجاهلية ، واندماجا في الكون على مداه ، وبحثا عن ( العلّة الكافية ) لخلقه على هذه الصورة من الدقّة والتنسيق والتماسك والنظام ، وسعيا وراء ( الشريعة ) التي تعيد الإنسان إلى الانسجام مع النواميس التي تتحرك بموجبها السماوات والأرض . . وما لبث الوحي الأمين أن جاء ، في اللحظة المناسبة والمكان المناسب اللذين اختارتهما العناية الإلهية لإرسال محمد إلى الناس كافة . . محمد الذي لم يكن يعرف ، حتى هذه اللحظة ، المصير الذي ينتظره ، والدور الذي سيكلف بأدائه إزاء الإنسان والعالم . ومن ثم جاءت ( هزّة ) الوحي مفاجأة مذهلة لهذا الرجل المنعزل في الغار بعيدا عن الناس . . رافقها وأعقبها رعب وقلق وشك واضطراب وتمزق نفسي وحمى قاسية ، جعلت الرسول صلى اللّه عليه وسلم يغادر المكان في أعقاب كل لقاء ، وهو يرتجف خوفا وإشفاقا ، من أجل أن يلجأ إلى سنده العاطفي الأول والأخير متمثلا بزوجته البرة خديجة التي كانت عند حسن الظن دوما . . وما أن اطمأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى صدق رسالته ، في أعقاب تأكيدات خديجة وابن عمها ورقة بن نوفل ، وإثر تكرر نزول الوحي عليه ، حتى بدأ - بأمر من هذا الوحي - بالعمل . . كان عليه أن يدع مرحلة ( العزلة ) والانقطاع ، وأن يمزق دثار الخوف والقلق والشك . . وأن ينطلق ليبدأ أولى اتصالاته من أجل بناء الحلقات الأولى من الدعاة ، أولئك الذين كتب عليهم ، أن يتحملوا شرف الانضواء إلى أول قاعدة بشرية للدعوة الإسلامية في تاريخها الطويل . . وإذ كانت الدعوة الجديدة تتحرك تحت شعار ( لا إله إلا اللّه ) بكل أبعاده الشاملة وآفاقه الرحبة ، فقد كانت تمثل ردا حاسما على كل القيم الجاهلية ، وانقلابا جذريا على مواضعات العصر وممارساته ومطامحه القريبة العاجلة . . وكان ارتطامها بمراكز السلطة والنفوذ والتوجيه في مجتمع كهذا أمرا محتما . . ومن ثم كان على الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يجتاز مرحلة من ( العمل السرّي ) ، غير المعلن ، من أجل أن يرسي دعائم حركته ويضم إليها أوثق العناصر وأعمقها إيمانا ، ويسعى خلال ذلك إلى مزيد من توثيق هذا الإيمان وتعميقه في نفوس الدعاة . . فعليهم ستقع المسؤولية ، وعلى مدى مقدرتهم على التحمل سيقوم البناء . . ولقد بدأ الرسول اتصالاته بأقرب الناس