عماد الدين خليل
8
دراسة في السيرة
ويؤكد المؤرخ المذكور أن « في أغلب الروايات التي يتصل سندها بكعب الأحبار أو محمد بن كعب القرظي أو النعمان السبائي ، وهم من مسلمة يهود ، أو غيرهم من مسلمة أهل الكتاب طابع القصص الإسرائيلي ، وفي أغلبه دسّ على الرسول وعلى الإسلام ، كما في قصة الغرانيق وفي أمور أخرى . . . ويظهر من دراسة هذا النوع من القصص أن أصحابه كانوا يريدون من روايته ونشره وإدخاله بين المسلمين أمرا ، وأن قلوبهم لم تكن مسلمة كألسنتهم ، وأنهم كذبوا على التوراة والإنجيل أحيانا وذلك على سبيل التودد إلى المسلمين والتقرب إليهم على ما يبدو » . . ويمضي إلى القول بأن مما يلاحظ « أن معظم هذا القصص المتقدم هو ما يرد في الكتب المتأخرة ، أما الكتب الواصلة إلينا من أول عهد المسلمين بالتدوين ، فقد كانت تتحاشاه في الغالب ، ولا تميل إليه ولا إلى الخوارق والمعاجز ، وهو قصص مخالف لما جاء في القرآن الكريم عن الرسول ولحديث الرسول ، ولروح الإسلام ، ولهذا وجب أن يكون اعتماد المؤرخ على هذا الموارد المتقدمة المحترمة في نظر النقاد أمثال : كتب الصحاح في الحديث وسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري . وسندنا الأول بالطبع ومرشدنا قبل كل هذه هو القرآن » « 1 » . وعلى المستوى الحربي يقول محمود شيت خطاب ، بصدد المنهج الذي اعتمده في كتابه عن ( الرسول القائد ) : « وقد أغفلت ذكر الحوادث التي لا يمكن أن تحدث في الحرب فعلا ، تلك الحوادث التي يرددها بعض المؤرخين ليثبتوا للناس أن انتصار الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان بالخوارق غير الاعتيادية بالدرجة الأولى ، لا بتطبيق مبادئ الحرب . ومن الغريب أنهم يعتبرون ذلك من مظاهر الإيمان برسالة النبي . . لقد كان محمد واقعيا بعيدا عن الخيال ، وكان إذا أراد شيئا هيّأ له أسبابه . . وقد عمل بكل مبادئ الحرب المعروفة ، إضافة إلى مزاياه الشخصية الآخرى في القيادة ، لهذا انتصر على أعدائه ، ولو أغفل شيئا من الحذر والحيطة والاستعداد لتبدّل الحال غير الحال » « 2 » . ونحن نلتقي بهذا التحذير من تضخيم السيرة ، وبخاصة فيما قبل البعثة ، بحشد من القصص والإسرائيليات والخوارق ، في كتاب محمد عزة دروزة القيّم
--> ( 1 ) جواد علي : تاريخ العرب في الإسلام 1 / 33 - 34 . ( 2 ) الرسول القائد ، المقدمة ص 6 - 7 .