عماد الدين خليل

62

دراسة في السيرة

وكان صهيب بن سنان الرومي من المؤمنين المستضعفين الذين يعذبون في اللّه ، وكان يمر بقريش يصحبه خباب وعمار ، فكانوا يقولون : هؤلاء جلساء محمد ويهزؤون . . . فيرد صهيب : نحن جلساء نبي اللّه ، آمنا وكفرتم وصدقناه وكذبتموه ، ولا خسيسة مع الإسلام ولا عز مع الشرك . فجعلوا يعذبونه ويضربونه وهم يقولون : أنتم الذين منّ اللّه عليكم من بيننا « 1 » ؟ وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم ، له شرف ومنعة ، أنّبه وأخزاه وقال : تركت دين أبيك وهو خير منك . لنسفهن حلمك ولنقبحن رأيك ولنضعن شرفك . وإن كان تاجرا قال : واللّه لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك . وإن كان ضعيفا أغرى به « 2 » . واجتمع أصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوما فقالوا : واللّه ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط ، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال عبد اللّه بن مسعود : أنا ! قالوا : إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه . فقال : دعوني فإن اللّه سيمنعني . وانطلق إلى الكعبة ، وقريش في أنديتها ، وراح يتلو هناك بصوت عال الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ الْبَيانَ . . . « 3 » فتأمل القرشيون فيه وجعلوا يتسائلون : ما يقول ابن أم عبد ؟ أجاب بعضهم إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد . فقاموا إليه وجعلوا يضربون في وجهه وهو ماض في تلاوة السورة ، حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وآثار اللطمات على وجهه ، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك ؟ قال : ما كان أعداء اللّه أهون علي منهم الآن ، لئن شئتم لأغادينهم غدا بمثلها ! قالوا : لا . حسبك ، فقد أسمعتهم ما يكرهون « 4 » . وروى الطبري في سياق تفسير آيات سورة العنكبوت ( 8 - 9 ) أن سعد بن أبي وقاص كان يقول لأمه التي أخذت تلح عليه بالارتداد « يا أمه ، واللّه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني » « 5 » ! ويظهر أن بعض المسلمين قد تضعضعوا أمام المحنة ولم يطيقوا تحمل الأذى والاضطهاد ، وأنهم أبدوا شكهم في نصر اللّه الموعود للمسلمين فنزلت

--> ( 1 ) البلاذري : أنساب 1 / 184 . ( 2 ) المصدر السابق 1 / 198 . ابن هشام ص 71 - 72 . ( 3 ) سورة الرحمن : الآيات 1 - 4 . ( 4 ) الطبري : تاريخ 2 / 234 - 235 . ( 5 ) دروزة : سيرة الرسول 1 / 280 .