عماد الدين خليل
60
دراسة في السيرة
وخلال ذلك كان أتباع الدين الجديد يقاسون شتى أنواع العذاب والاضطهاد وكانت كل قبيلة تثب على من فيها من المسلمين ، أحرارا وعبيدا ، فتحبسهم وتعذبهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر ، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي ينصب عليهم ومنهم من يصلب لهم ويعصمه اللّه منهم . وقد روى مجاهد أن المستضعفين من المسلمين ألبسوا دروع الحديد ، وصهروا في الشمس حتى بلغ الجهد منهم « 1 » . كان بلال بن رباح مؤمنا صادق الإيمان ، طاهر القلب ، وكان سيده أمية بن خلف الجمحي يخرجه إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له : لا واللّه لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى ، فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد أحد . . . فيضع أمية في عنقه حبلا ويأمر الصبيان فيجرونه . وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب ويصرخ أحد أحد ، فيقول أحد أحد واللّه يا بلال . وظل بلال على هذه الحال إلى أن أعتقه أبو بكر وأعتق معه ست رقاب أخرى من ضعفاء مكة من الرجال والنساء ، وعندما قال له أبوه ، يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا ، لو أنك إذ فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك . أجاب أبو بكر : يا أبت إني إنما أريد اللّه عزّ وجلّ « 2 » . يقول عمرو بن العاص : مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء ، لو أن بضعة لحم وضعت لنضجت ، وهو يقول : أنا كافر باللات والعزى ، وأمية بن خلف مغتاظ عليه فيزيده عذابا فيغشى عليه ثم يفيق . . ويقول حسان بن ثابت : اعتمرت ، فرأيت بلالا في حبل طويل ، تمده الصبيان ، ومعه فيه عامر بن فهيرة وهو يقول : أحد أحد ، أنا كافر باللات والعزى ، فأضجعه أمية على الرمضاء . ويقول مجاهد : جعلوا في عنق بلال حبلا وأمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين جبلي مكة ، ففعلوا ذلك وهو يقول : أحد أحد . . ويقول عروة : كان بلال من المستضعفين من المؤمنين وكان يضرب حين أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون . . . ويقول بلال نفسه : أعطشوني يوما وليلة ، ثم أخرجوني فعذبوني في الرمضاء في يوم حار « 3 » .
--> ( 1 ) البلاذري : أنساب 1 / 158 . ( 2 ) المصدر السابق 1 / 184 - 185 ، ابن هشام ص 69 - 71 . ( 3 ) البلاذري : أنساب 1 / 185 - 186 .