عماد الدين خليل

55

دراسة في السيرة

وتأييده وحمايته ، كما أن القيام بالدعوة في مكة لا بد أن يكون له أثر خاص لما لهذا البلد من مركز ديني خطير ، فجلبها إلى حظيرة الإسلام لا بد وأن يكون له وقع كبير على بقية القبائل . . على أن هذا لا يعني أن رسالة الإسلام كانت في أدوارها الأولى محدودة بقريش ، لأن الإسلام كما يتجلى من القرآن اتخذ الدعوة في قريش كخطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية . والواقع أن كثيرا من الآيات المكية كانت تنص على أن القرآن ما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ « 1 » الأمر الذي يدل على أن فكرة الدعوة العالمية كانت قائمة منذ هذا الوقت المبكر « 2 » . ما لبث الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن جوبه بمعارضة شديدة من قومه ، وبإجماع منهم على مقاومته وصدّه ، سيما بعد الحملات الشديدة التي راح يشنها على آلهتهم وأصنامهم « 3 » ووقف عمه أبو طالب ينافح عنده ضد قريش ، فرأى زعماؤها أن يبعثوا إليه وفدا من أشرافهم علهم يقنعونه بوقف ابن أخيه عن المضي في دعوته ، أو - على الأقل - بالتخلي عن إسناده وحمايته . والتقى رجالات الوفد بأبي طالب وقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينه . فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه « 4 » . مضى الرسول صلى اللّه عليه وسلم في طريقه ، يظهر دين اللّه ويدعو إليه ، بينما ظل بعض كبار أصحابه كأبي بكر وسعيد بن زيد وعثمان على سريتهم وكتمانهم ، زيادة في الحيطة ، أما حمزة وأبو عبيدة وعمر - فيما بعد - فقد راحوا يجهرون « 5 » . واشتد العداء بين محمد والوثنية عمقا ، وامتلأت صدور المشركين حقدا عليه وهم يرونه يعلن حربه التي لا هوادة فيها ضد قيمهم وآلهتهم ، وراحوا يكثرون الحديث في

--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 104 ، وانظر : سورة الأنعام : الآية 90 ، سورة القلم : الآية 52 ، سورة التكوير : الآية 27 . ( 2 ) صالح أحمد العلي : محاضرات في تاريخ العرب 1 / 328 - 329 . وعن الدائرة الواسعة لعشيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم التي وسعتها علاقات الزواج والمصاهرة انظر بالتفصيل المصدر السابق 1 / 329 - 333 ، وعن أسماء المسلمين في العصر المكي انظر القوائم الدقيقة التي ثبتها العلي في كتابه آنف الذكر ص 381 - 390 والملحق الأخير لكتاب مونتكمري وات : محمد في مكة وقوائم كايتاني في كتابه ( حوليات الإسلام ) وانظر كذلك : وات ، المرجع السابق ص 144 - 147 . ( 3 ) انظر البلاذري : أنساب 1 / 115 - 116 . ( 4 ) ابن هشام ص 54 - 55 ، الطبري : تاريخ 2 / 322 - 323 ، اليعقوبي 2 / 19 - 20 . ( 5 ) البلاذري : أنساب 1 / 123 .