عماد الدين خليل
49
دراسة في السيرة
صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول اللّه وأنا جبريل ! ! فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول اللّه وأنا جبريل . فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك . فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك . ثم انصرف عني . وانصرفت راجعا إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها « 1 » فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فو اللّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا إليّ . ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت : أبشر يا ابن عم وأثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ! ! » « 2 » . وعن جابر قال : حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جاورت في حراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي ، فنودي ، فنظرت أمامي وخلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، فلم أر شيئا . فنظرت فإذا أنا به - يعني الملك - بين السماء والأرض ، فانطلقت إلى خديجة فقلت : دثروني . فدثروني وصبوا علي ماء فأنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ « 3 » . . » « 4 » . وقد رأى بعض الصحابة - فيما سيتلو من أيام - رسولهم صلى اللّه عليه وسلم وقد ظهرت وبدت عليه علائم نزول الوحي ، ورأوه وقد نزل عليه الوحي واشتد به ، وقد أجمعوا كلهم على أنه كان يعاني في أثنائه شدة وصعوبة ، يبقى على ذلك ما شاء اللّه ، فلا يهدأ ولا يذهب عنه الروع إلا بعد انتهاء الوحي ، فيجلس عندئذ وقد تصبب عرقا ، يجلس ليرتاح ويجفف عرقه ، ثم يتلو على من عنده من أصحابه ما وعاه وما حفظه من الوحي . فإذا قصم عنه كان قد وعى كل ما قاله الملك له وحفظه لا يذهب عنه حرف . وقد ورد في سورة طه ( المكية ) ما يفيد أن
--> ( 1 ) مضيفا إليها : ملتصقا بها ( عن تهذيب سيرة ابن هشام ) . ( 2 ) ابن هشام ص 46 - 47 ، الطبري : تاريخ 2 / 298 - 302 ، وانظر البلاذري : أنساب 1 / 108 - 110 ، البخاري : تجريد 1 / 5 ، المقدسي 4 / 140 - 142 . وفي عدد من الروايات إنها قالت له « ابشر فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقوي الضعيف وتعين على نوائب الحق » . ( 3 ) سورة المدثر : الآيتان 1 - 2 . ( 4 ) البخاري : تجريد 1 / 6 ، البلاذري : أنساب 1 / 109 - 110 .