عماد الدين خليل

45

دراسة في السيرة

الروايات والأحاديث والأبحاث عن هذه المساحات الواسعة زمانا ومكانا ! ! مما لا يتسع بحث خاص بالسيرة لمجرد الإشارة إليه « 1 » . ومن ثم فإن كل ما يمكن أن يقال ، إيجازا وتركيزا لهذا المدى الواسع ، هو أن العالم كان قد فسد في القرن الذي ولد فيه الرسول ، والإنسان - ثانية - كان قد ضاع . . الإنسان فردا والإنسان في جماعة . . حيثما التفتنا ، أنى قلبنا وجوهنا في جهات العالم الأربع فلن نعثر إلا على الفساد والضياع . وابتداء بأعمق أعاميق النفس البشرية وانتهاء بالعالم في مداه الشامل ، مرورا بالتجارب والممارسات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، لا نجد إلّا السوس ينخر في البنيان ، والعفن ينسرب عميقا في ضمائر الأشياء والتجارب والممارسات ، لكي ما يلبث السوس والعفن أن يفسدا كل شيء ويدنسا كل حياة . هكذا . . في كل ميدان ، وفي أي اتجاه ، لا نعثر إلا على الفساد والضياع . . إن العالم الذي بعث فيه محمد عالم في أمسّ الحاجة إلى منقذ ، وهو يفسّر بوضعه الراهن ذاك لماذا جاء الرسول في ذلك العصر بالذات . . إن القرآن الكريم ، تحدث فيما بعد ، عن أبعاد الأزمة البشرية عندما قال : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 2 » ! ! لقد جاءت هذه الآية بمثابة إنذار وبشارة في الوقت نفسه ، إنذارا إلى أن هذا العفن الذي يغمر العالم إنما هو صنع أبائه أنفسهم ، وأنهم يغرقون الآن إلى أذقانهم بما صنعوا ! ! وبشارة لكل الذين انشقوا على دنس العصر واستعلوا على عفنه وفساده ، وآلوا على أنفسهم أن يتحملوا المسؤولية ، وأن يسيروا وراء رسولهم بعيدا عن الحفرة التي كان العالم يختنق فيها ، من أجل أن ( يخرجوا ) بالناس ، من ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن عبادة العباد إلى عبادة اللّه ، وتلك هي قمة الحرية التي بعث الرسول لكي يمنحها للإنسان ، وغاية الدور الكبير الذي يفسّر مبعث رسولنا صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال شهادات بتلر في ( فتح العرب لمصر ) وغوستاف لوبون في ( حضارة العرب ) وتاريخ العالم للمؤرخين وجيبون في ( الأمبراطورية الرومانية ) وه . ج . ولمز في ( مختصر تاريخ العالم ) ومكاريوس في ( تاريخ إيران ) وكرستنسن في ( إيران في عهد الساسانيين ) . وانظر بالتفصيل الفصول الأولى من كتاب الندوي ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) ومقال المؤلف ( ملاحظات في الميلاد ) : مجلة الوعي الإسلامي ، السنة الثامنة . ( 2 ) سورة الروم : آية 41 .