عماد الدين خليل
39
دراسة في السيرة
يفوقها أهمية أو ما يضيف إليها حقائق أخرى ، ولن نلقي اللوم على رواتنا ومؤرخينا فتلك هي كما قلنا طبيعة التاريخ ، فالأبطال - أنبياء وغير أنبياء - يظلون مجهولين يتحركون في مناطق الظلال لكي ما يلبثوا أن ينتقلوا فجأة لأداء أدوارهم حيث تسلط الأضواء . . ولنا أن نحمد اللّه سبحانه على أن هيأ لنا هذا القليل عن هذه المرحلة الطويلة الأساسية من حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فهذه القلة - على ندرتها - يمكن أن تقدم لنا الكثير إذا ما استنطقناها بالأسلوب العلمي الهادىء الرصين ، بعيدا عن ضجيج النزعات الخطابية والإنشائية والتهويلية . إن البطل في التاريخ ، نبيا أو غير نبي ، لكي يلعب دوره الحاسم ، لا بدّ أن يستكمل شرطين أساسيين أحدهما يتعلق بتكوينه الذاتي الخاص ، والآخر بالعالم الذي يضطرب فيه عبر دوائره التي تبدأ بعلاقاته الضيقة ثم تتسع عبر الإقليم والوطن والجماعة والشعب والأمة ، لكي تشمل العالم كله . . ومن ثم فإن أي حوار ينفتح بين الإنسان والعالم سوف لن يبعث أبطالا إن لم يكن كلا القطبين مهيأ لإنجاح ذلك الحوار . . وهكذا فإن أية دراسة عن حياة رسولنا صلى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه وبعده ، سوف لن تتوغل في فهم هذه الحياة ، توغلا كافيا ، إن لم تضع في حسبانها هذين الطرفين ، وتتمعن فيهما عن كثب بقدر ما تسعفها الوقائع والأحداث . فأما ما يتعلق بالجانب الذاتي لسيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة فيبدو أن الظروف ( البيئية ) و ( الوراثية ) التي تسهم معا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخلقية والخلقية ، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي ، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية قد اجتمعت لكي تجعل من محمد صلى اللّه عليه وسلم الإنسان المهيّأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده . . أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة ، تمثل امتدادا زمنيا طويلا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين ، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض ، وما أشق الحوار ! ! طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد صلى اللّه عليه وسلم يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه وسمات مادية وروحية تهيئة لليوم العظيم . فعن ( أصالة ) أبيه وأمه أخذ الرسول صلى اللّه عليه وسلم في دمه وأعصابه أصالة الشخصية ووضوحها ونقائها ، وكسب على المستوى الاجتماعي