عماد الدين خليل
34
دراسة في السيرة
وهيئته وأموره ، فجعل محمد يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفاته . . فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابن أخي . . قال : ما فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حبلى به . قال بحيرى صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه يهود فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرا فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم « 1 » . كان محمد صلى اللّه عليه وسلم قد قام منذ صباه - لمساعدة عمه الفقير كثير العيال - برعي الأغنام لأهله وأهل مكة ، كما قام بأعمال أخرى . . ولكن الرعي وهذه المساعدات لم تفده وقد بلغ هذا العمر ، ولهذا كان أبو طالب يفكر في رزق يسوقه اللّه إليه يكون فيه أمن وطمأنينة له وكان ذلك عن طريق البيع والشراء والتجارة على عادة أغلب أهل مكة في ذلك العهد ، وقد تكسّب محمد بالاشتغال بالبيع والشراء مستقلا بأعماله أحيانا ومشتركا مع غيره أحيانا أخرى . . وقد تاجر بشراء البزّ وبيعه يشتريه من سوق حباشة ، على طريق اليمن ، وهي سوق مشهورة لبيع هذه البضاعة ، ويبيعه في مكة . . وقد عرف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالأمانة والصدق في المعاملة ، ولكنه لم يكسب من عمله في البيع والشراء مالا يذكر ولا ثروة تساعده وتساعد عمه أبا طالب في تمشية أموره . . لذا عرض عليه عمه أن يسهم في تجارة خديجة علها تدر عليه ربحا « 2 » . وورد في بعض كتب السير « 3 » أن محمدا قام لخديجة بسفرة أو سفرتين أو أربع سفرات إلى اليمن ، إلى سوق حباشة أو إلى جرش ، وذلك قبل قيامه بسفرته المشهورة إلى بصرى . . وأن خديجة دفعت له بعيرا عن كل سفرة قام بها إلى اليمن وأربع بكرات عن سفرته إلى بلاد الشام « 4 » .
--> ( 1 ) ابن هشام ص 34 - 36 الطبري : تاريخ 2 / 277 - 279 ابن سعد 1 / 1 / 76 البلاذري : أنساب 1 / 96 - 97 المسعودي : مروج 2 / 286 ابن الأثير : الكامل 2 / 37 - 38 ابن كثير : البداية والنهاية 2 / 283 - 286 المقدسي : البدء والتاريخ 4 / 134 160 - 1 Caetani : Op . cit ; . . ولم يقف إزاء الرواية ناقدا ممحصا سوى ابن سيد الناس في ( عيون الأثر ) ص 43 ( مكتبة القدس ، القاهرة 1356 ه ) والذهبي في ( تاريخ الإسلام ) 1 / 38 ، 39 ( مكتبة القدس القاهرة ) انظر بحث ( تحقيق قصة بحيرى ) للدكتور محسن عبد الحميد ( مجلة الجامعة ، عدد 4 سنة 9 ص 69 - 73 ) وسوف نرجع إلى هذه الرواية كرة أخرى لدى الحديث عن العلاقات بين الإسلام والجبهة البيزنطية - النصرانية . ( انظر ص 271 - 272 ) . ( 2 ) جواد علي ص 109 - 110 . ( 3 ) إمتاع الأسماع ، السيرة الحلبية ، الروض الأنف ، عيون الأثر . . . ( 4 ) جواد علي ص 112 .