عماد الدين خليل

327

دراسة في السيرة

صلّ بالناس ، وجلس إلى جنبه ، وصلى قاعدا عن يمين أبي بكر . فلما فرغوا من الصلاة راح الرسول يتحدث إليهم رافعا صوته ، حتى ظن أصحابه أن قد زال ما به من وجع واستأذنه أبو بكر في الذهاب إلى أهله بالسنح ، إحدى ضواحي المدينة ، وسأل الناس عليا : يا أبا الحسن كيف أصبح رسول اللّه ؟ فقال : أصبح بحمد اللّه بارئا « 1 » ! ! . لكن تلك الإشراقة لم تكن سوى صحوة الموت ، ولنستمع إلى عائشة رضي اللّه عنها وهي تحدثنا عن اللحظات الأخيرة من حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « رجع إلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد ، فاضطجع في حجري ، فدخل عليّ رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر ، فنظر رسول اللّه إليه في يده نظرة عرفت أنه يريده فقلت : يا رسول اللّه أتحب أن أعطيك هذا السواك ؟ قال : نعم . فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه ، فاستنّ به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط ثم وضعه . ووجدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يثقل في حجري ، فذهبت انظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول : ( بل الرفيق الأعلى من الجنة ) ، فقلت : خيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق ! وقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » وهو يقول : ( قاتل اللّه قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ويردّد ( الصلاة وما ملكت أيمانكم ) حتى جعل يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه « 3 » . انقضّ نبأ وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه المتجمهرين في الخارج انقضاض الصاعقة ، وراح عمر بن الخطاب يقول : « إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه قد توفي ، وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع إليهم بعد أن قيل : قد مات . واللّه ليرجعنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مات » « 4 » .

--> ( 1 ) ابن هشام ص 389 - 390 ، 391 الطبري 3 / 187 ، 198 - 199 ابن سعد 2 / 2 / 17 - 19 البلاذري : أنساب 1 / 557 - 558 ، 561 . ( 2 ) ابن هشام ص 391 - 392 الطبري 3 / 199 ابن سعد 2 / 2 / 27 - 28 ، 30 البلاذري : أنساب 1 / 549 البخاري : تجريد 2 / 105 - 106 . ( 3 ) ابن ماجة 2 / 155 ، أحمد 3 / 117 وانظر الحديث الذي أخرجه أحمد ( 1 / 346 ) : « اللهم لا تجعل قبري بعدي وثنا يعبد » . وانظر : ابن هشام ص 404 ابن سعد 2 / 2 / 47 البلاذري أنساب 1 / 551 . ( 4 ) ابن هشام ص 392 الطبري 3 / 200 ابن سعد 2 / 2 / 53 - 54 ، 55 - 56 ، 57 البلاذري أنساب 1 / 565 - 567 .