عماد الدين خليل

322

دراسة في السيرة

لها ذلك العمل خفاء أكثر ويظهر من نياتها وأعمالها ما هو طيب مقبول ، ولكنه سيؤدي في الوقت نفسه إلى تمزق وانشقاق في قلب المجتمع الإسلامي ، وفي أي شيء ؟ في المسجد الذي هو مركز الجماعة الإسلامية ومنطلق نشاطاتها المختلفة ، وقلبها الذي لا يكف عن الخفقان ! ! ومن هناك ، وبعد المباركة التي سيمنحها الرسول صلى اللّه عليه وسلم مسجدهم هذا ، سينطلق المنافقون ، وقد أبدوا نية حسنة وبنوا مسجدا جديدا ، لاستقطاب العناصر القلقة في المجتمع الإسلامي وضمها إلى صفوفهم ، وتوسيع قواعدهم بين المسلمين ، وإطلاق الشائعات وبذل نشاط واسع من هذا المسجد ، بقيادة زعيمهم الذي كان قد لحق بالشام وتنصّر ! ! للاتصال بغير المسلمين كذلك لرسم الخطط وتحديد أساليب العمل ، وهم في حماية من غضبة المسلمين وفي أمان من الانكشاف ، ما داموا يمارسون نشاطاتهم تلك من قلب المسجد الذي باركه الرسول صلى اللّه عليه وسلم . والذي يؤكد هذا ، أن تصاعد نشاط المنافقين في أقوالهم وأعمالهم ، والذي رافق محنة تبوك - كما رأينا - جاء موازيا لبناء هذا المسجد الذي تم إنشاؤه قبيل التجهز لغزو الروم . وعندما هرع مبعوثا الرسول صلى اللّه عليه وسلم لتهديم بؤرة النفاق هذه وجدا في باحتها أولئك الذين أقاموها . . وربما كانوا يمارسون من هناك نشاطهم المسموم . وهذا الأسلوب في العمل التخريبي ، وهو اعتماد قيم ومؤسسات مجتمع أو عقيدة ما لتخريب أسس ذلك المجتمع وعقائدياته وتدمير معنويات أصحابه ، معروف على مرّ العصور ، وليست هذه التجربة التي فضحها القرآن الكريم إلا علامة تحذير دفعت المسلمين إلى مزيد من الحذر واليقظة ! ! [ 5 ] وكما حدث بالنسبة لليهود ، مضت المراحل الأخيرة من حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم والإسلام يزداد قوة ومنعة وانتشارا ، وزعماء القبائل العربية وأمراؤها ينهالون على المدينة معلنين إسلامهم ومبايعين رسولهم الكريم . ولم يجد المنافقون منفذا يتسللون منه لتسديد ضربة مؤذية أو تنفيذ مخطط تخريبي جديد ، سيما وأن زعيمهم عبد اللّه بن أبيّ كان قد توفي في أواخر السنة التاسعة « 1 » ، وكانت الآيات

--> ( 1 ) الطبري : تاريخ 3 / 120 .