عماد الدين خليل
32
دراسة في السيرة
اللّه ويشكر له ما أعطاه ، ثم أعاده إلى أمه ريثما يلقى مرضعة له ، ووقع اختياره على امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب « 1 » استصحبته معها إلى مضارب بني سعد حيث ظل محمد صلى اللّه عليه وسلم يشب وينمو ، يشرب من لبن مرضعته ويتنفس من هواء الصحراء الطلق ويزداد قوة وصحة وعافية ، ولم يبلغ السنتين من عمره ، حيث فطمته حليمة ، حتى حملته وزوجها إلى أمه في مكة ، وهما أحرص ما يكونان على مكثه فيهم لما كانوا يرون من بركته ، فكلمات حليمة أمه وقالت لها « لو تركت ابنك عندي حتى يغلظ ، فإني أخاف عليه وباء مكة » ، ولم تزل بها حتى أجابتها إلى طلبها « 2 » . وهناك ، بعد أشهر من عودته إلى مضارب بني سعد ، وقعت حادثة شق الصدر وعاد أخوه من الرضاعة يوما ، وهو يلهث ، فقال لأمه وأبيه ، وهما يرعيان أغناما لهما خلف دورهم : ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيضاء فاضجعاه وشقّا بطنه ، فهما يسوطانه « 3 » ، فخرجت حليمة وزوجها نحوه فوجداه قائما منتقع الوجه فسألاه : ما لك يا بني ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو . . وسرعان ما عادت به حليمة وزوجها إلى خبائهما « 4 » . وظن الأب أن الغلام قد أصيب وطلب من زوجته أن تعيده إلى أهله قبل أن يستفحل به ذلك ويظهر ، فحملته مرضعته وقدمت به إلى أمه فأعلمتها أنه قد بلغ ، وأنها قد قضت الذي عليها ، فأخذته أمه حيث ظلت ترعاه في حماية وإشراف من جده عبد المطلب . وعندما بلغ السادسة من عمره توفيت أمه بالأبواء ، وهي في طريق عودتها إلى مكة في أعقاب زيارة لأهلها من
--> ( 1 ) ابن هشام ص 28 البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 93 . ( 2 ) ابن هشام ص 30 - 31 ابن سعد 1 / 1 / 70 وانظر L . Caetani , Annali Dell Islam , vol . I . p . 125 , 151 . ( 3 ) أي يحركانه . ( 4 ) وفي صيغة أخرى للحادث عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق قلبه فاستخرج منه علقة فقال : هذا حظ الشيطان منك . . . ثم لأمه وأعاده إلى مكانه . وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني مرضعته - أن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون ( أخرجه مسلم 1 / 101 - 102 وأحمد 3 / 121 ) ويرى درمنغم أن هذه ( القصة ) نشأت عن قول القرآن أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . . . وأن هذه العملية أمر باطني قام على تطهير ذلك القلب وتوسيعه ليتلقى رسالة اللّه عن حسن نية ويبلغها بإخلاص تام ويحتمل عبثها الثقيل ( حياة محمد ص 48 ) .