عماد الدين خليل
313
دراسة في السيرة
يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر اللّه به المؤمنين ومحص به المنافقين ، ممن كان يظهر الإيمان بلسانه ، وهو مستخف بالكفر في قلبه » « 1 » . ومن أجل التعويض عن خوائهم الروحي وتغطية دورهم السلبي في حركة الدعوة ، وملء الفراغ الذي يعانونه ، كانوا يظهرون بين الحين والحين بمظهر الناصحين ، الحريصين على مصير الدعوة وحياة أصحابها . قال رجال منهم ، تعقيبا على مأساة الرجيع التي ذهب ضحيتها سبعة من الدعاة : « يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا ، لا هم قعدوا في أهلهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم » ، لكن القرآن الكريم ما لبث أن فضح ازدواجيتهم هذه ، ومزّق عن وجوههم أقنعة الحرص والاهتمام وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ . وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ . وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ « 2 » . في معركة الخندق حيث المحنة التي كشفت عن صفوف المنتمين إلى معسكر الإسلام وسلطت وهجها اللافح على أعماق سرائرهم ، وقف المنافقون في آخر الصفوف يثيرون شائعات الخوف والهزيمة ويطلقون سخرياتهم بوجه الجد الصارم الذي كان يدفع المؤمنين إلى العمل والسهر المتواصل ليل نهار ، قبل أن يفلت الزمام من أيديهم ويصبحوا خبرا من الأخبار . وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يجابه حملاتهم النفسية الخفية هذه بروح الأمل ينفخها في قلوب أتباعه ، ويحدثهم بيقين ثابت طموح ، وهم يعملون في الخنادق محاطين بالظلام من كل مكان ، بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه عما قريب وأن خيولهم ستطأ في السنين القادمة عواصم كسرى وقيصر ، وتسقط عروشهم واحدا بعد الآخر . وكما كان المنافقون ينسحبون من المعركة قبل أن تلتمع السيوف ، كما حدث في موقعتي أحد وتبوك ، فإنهم الآن يظهرون للمؤمنين أنهم يعملون معهم في حفر الخندق ، و ( يمثلون دورهم هذا ) وكلما وجدوا فرصة سانحة تسللوا من الخندق دون إذن من قائدهم ، ولاذوا بأهليهم ، بينما كان المؤمنون لا يغادر أحدهم موقع عمله إلا أن
--> ( 1 ) ابن هشام : ص 194 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآيات : 204 - 206 المصدر السابق : ص 198 .