عماد الدين خليل

311

دراسة في السيرة

« لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال » فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف والعودة قال : « أبعدكم اللّه أعداء اللّه ، فسيغني اللّه عنكم نبيه » « 1 » . وهذا الأسلوب الذي اتبعه المنافقون في المسير مع المسلمين ثم الانسحاب في اللحظات الحرجة يتكرر مرة أخرى في غزوة تبوك التي لا تقل خطورة عن معركة أحد ، إذ انطلق ابن أبيّ في أعقاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم على رأس جماعته ، وما أن اجتاز المسلمون مسافة قصيرة صوب هدفهم حتى تخلف المنافقون وقفلوا عائدين إلى المدينة « 2 » ، وإذا كان لهم عذر في ذلك أول مرة أعلنوه تبريرا لانسحابهم ، فإنهم قد افتقدوا الأعذار هذه المرة ولم يقولوا شيئا ! ! إلا أن الموقف في كلا الحالتين هو نفس الموقف : عدم إيمان بالهدف الذي يتحرك إليه المسلمون ، وخوف من الموت في سبيل قضية لا يؤمنون بها ، وتخذيل للمسلمين في اللحظات الحرجة علّهم يجابهوا بهزّة خطيرة تقضي عليهم وتعيد المنافقين إلى حياة التسيّب القديمة ، ويرجع لابن أبي حلمه القديم في أن يكون ملكا على قومه ! ! ولقد ورد في سيرة ابن هشام ، بصدد موقف المنافقين في محنة تبوك « أن عبد اللّه بن أبيّ ، كبير المنافقين ، ضرب عسكره بأسفل عسكر النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان فيما يزعمون ، ليس بأقل العسكرين ، فلما سار رسول اللّه تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب » ، فتمسك بهذه العبارة المستشرق كايتاني وأخذ يعظم من شأن وعدد المنافقين ويشكك في عدد الجيش المرويّ . غير أن هذا وذاك في غير محلهما ، فالآيات القرآنية صريحة بأن المتخلفين من الأعراب والمنافقين كانوا من الأغنياء وأولي الطول ، وهؤلاء دائما محدودو العدد ، وعبارة ابن هشام تحمل الشك الصريح في المدى ، وقد روى في الوقت نفسه أن عدد المتخلفين من المنافقين كان بضعة وثمانين رجلا ، وفي سورة التوبة آيات تحكي ما كان من شدة خوف المنافقين واعتذارهم وتزلفهم وإيمانهم ، بما فيه الدلالة القوية على ما صار إليه شأنهم من ضعف ، وعددهم من قلة وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ . لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ « 3 » .

--> ( 1 ) ابن هشام ، ص 175 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 327 - 328 ، الطبري : تاريخ 3 / 103 . ( 3 ) سورة التوبة : الآيتان 56 - 57 . وانظر الآيات : 62 - 66 ، 74 من نفس السورة ، دروزة 2 / 264 - 265 .