عماد الدين خليل
309
دراسة في السيرة
الرسول فأعاد : يا محمد أحسن في مواليّ . فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درع الرسول وراح يكرر توسلاته ، فرد عليه الرسول ، وقد كست وجهه ملامح الغضب : ويحك أرسلني ، فأجاب ابن أبي : لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة ؟ إني واللّه امرؤ أخشى الدوائر . ويبدو أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما كان ليريد إنزال عقاب بهم ، بل أن يغادروا حصونهم إلى حيث يشاؤون ما داموا قد نزلوا عند حكم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولذا أجاب عبد اللّه : هم لك ! ثم التفت إلى أصحابه قائلا : خلّوهم ، لعنهم اللّه ولعنه معهم ! ! ونزلت آيات القرآن منددة بهذا الموقف المنافق ، المتأرجح بين ولاية الإسلام وولاية أعدائه * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ « 1 » . وفي حصار بني النضير ، القبيلة اليهودية الثانية التي طردت من المدينة في أعقاب تامرها على حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة ، أعاد ابن أبي وكبار المنافقين ( تمثيل نفس الدور ) الذي مثلوه مع بني قينقاع ، إذ بعثوا إلى بني النضير ، وهم يعانون من حصار المسلمين وقبضتهم المحكمة أن « اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم . إن قاتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم » ، إلا أن المنافقين الذين كانوا ( يقولون ما لا يفعلون ) مع المعسكر الإسلامي ، كانوا يقولون ما لا يفعلون مع كل معسكر يظهرون له الودّ والإخلاص ، ذلك إن أيّا منهم لم يكن شخصية واحدة تتخذ موقفا موحدا إزاء القضية ، وإنما شخصيتين . ولقد ظل بنو النضير ينتظرون نجدة رفاقهم دونما جدوى حتى سألوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم الجلاء عن ديارهم ، بعد أن سدّت كل المنافذ . . وبعد قليل جاءت آيات القرآن ، فاضحة منددة كاشفة أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ . . « 2 » .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآيتان : 51 و 52 ، ابن هشام ص 171 - 172 . الطبري ، تاريخ 2 / 480 - 481 ، البلاذري : أنساب ، 1 / 309 ، الواقدي : 1 / 177 - 178 . ( 2 ) سورة الحشر ، الآية 88 . ابن هشام ص 204 ، 206 ، الواقدي 1 / 368 - 372 .