عماد الدين خليل
307
دراسة في السيرة
والمنتمين لمجرد تهمة تدور حولهم ، بمقصلة تنزل وتصعد ، أو سيف يضرب يمينا وشمالا ، أو إشارة صامتة تعقبها أنهار من الدماء . . إن ( النبي ) غير ( الزعيم ) و ( المعلم ) غير ( الإرهابي ) و ( الإنقلابي ) غير ( الطاغية ) و ( محمد ) غير ( روبسبيير ) . [ 2 ] كان المنافقون يتمثلون في طائفة من عرب المدينة من الأوس والخزرج ومن بعض المتهودة من رجال بعض البطون اليهودية الصغيرة ، وقد التفوا حول زعيمهم عبد اللّه بن أبي كما التف حوله اليهود لاتفاق مصلحة الطرفين . وقد ظل خطر المنافقين على الدولة كبيرا ما ظل اليهود في المدينة ، إذ أنهم كانوا على صلة دائمة بهم ، بل إن اليهود هم الذين أدركوا النفاق في المدينة فلما تم تطهيرها من اليهود ضعف أمر النفاق وأصبح النبي لا يخشى خطر هذه الطائفة « 1 » ، حيث أخذ صوتها يخفت ، ونشاطها يخمد ، وعددها يقل ، وتزلفها يشتد ومداراتها تزداد ، وخوفها يبدو واضحا . وربما ندم كثير من المنافقين فعادوا إلى حظيرة الإسلام الصحيح فكانت هذه الظواهر مما ثبت الرسول على خطته في عدم أخذهم بالعنف ، ورأى فيها الصواب والمصلحة سيما وأنهم كانوا يرتبطون مع كثير من المخلصين بروابط القربى والرحم ، وإن أخذهم بالعنف - فضلا عن الأسباب التي ذكرناها - قد يفتح في صفوف المسلمين ثغرات واسعة ويثير أزمات داخلية حادة ، وهو الذي كان مطمئن القلب بوعد اللّه بالنصر النهائي وإظهار دينه على الدين كله « 2 » . ولعل من الدلائل على ارتباط حركة النفاق بالنشاط اليهودي ضد الإسلام ما ورد في الآيات الأولى من سورة البقرة ، التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول ، فقد جاء فيها بصدد المنافقين : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ « 3 » ، فقد قال جمهور المفسرين إن شياطينهم هم اليهود ، ولم يغب ذلك عن النبي والمسلمين « 4 » .
--> ( 1 ) إبراهيم الشريف : مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ، ص 415 - 418 . ( 2 ) محمد عزة دروزة : سيرة الرسول 2 / 78 - 79 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 14 . ( 4 ) دروزة : المرجع السابق 2 / 121 .