عماد الدين خليل
292
دراسة في السيرة
والتي كلفها الرسول صلى اللّه عليه وسلم مهمة قتل الزعيم اليهودي فيقول : « لما دنونا من الحصن وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم ، قلت لأصحابي : اجلسوا مكانكم فإني سانطلق واتلطف إلى البواب لعلي أدخل » . . ثم أقبل حتى إذا دنا من الباب تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة ، وقد دخل الناس ، فهتف به البواب : إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب . فتناول المفاتيح التي كان البواب قد علقها على وتد هناك ثم اتجه إلى حيث يقيم سلام بن مشكم الملقب بأبي رافع . . « كان أبو رافع يسمر في علالي ، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه ، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخل . . حتى انتهيت إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله ، لا أدري أين هو من البيت ؟ قلت : أبا رافع . قال : من هذا ؟ فأهويت نحو الصوت أضربه بالسيف ، فما أغنى شيئا وصاح ، فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد ، ثم دخلت إليه وقلت : ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ قال : لأمك الويل ، إن رجلا بالبيت ضربني بالسيف ، فانقضضت عليه ووضعت حد السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره ، فعرفت أني قد قتلته وجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا ، حتى انتيت إلى الأرض ، فوقعت فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي ثم انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت : واللّه لا أرجع الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا ؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور ينعي أبا رافع ، فانطلقت إلى أصحابي وقلت : النجاء . . قد قتل اللّه أبا رافع » . . وقفل عبد اللّه بن عتيك ورفاقه عائدين إلى المدينة ليخبروا الرسول بالمهمة التي انجزوها « 1 » . وبعد أبي رافع جاء دور أسير بن رزام حيث ندب له الرسول صلى اللّه عليه وسلم ثلاثين رجلا بقيادة عبد اللّه بن رواحة ، فاستدرجوه وعددا من أصحابه واحتالوا عليهم وقتلوا أميرهم أسير ومعظم أصحابه ثم قفلوا عائدين إلى المدينة دون أن يفقدوا أحدا « 2 » ! ! كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد عقد صلح الحديبية مع قريش في أواخر السنة السادسة
--> ( 1 ) انظر بالتفصيل الطبري : تاريخ 2 / 483 - 490 الواقدي 1 / 391 ، ابن سعد 2 / 1 / 66 ، البلاذري : أنساب 1 / 376 ، البخاري : تجريد 2 / 80 ، ابن الأثير : الكامل 2 / 146 - 148 ، ابن حزم : جوامع السيرة ص 198 - 200 ، ابن كثير : البداية والنهاية 4 / 137 - 140 ، ويلاحظ أن هذه المصادر لا تتفق في تحديد تاريخ هذه الحادثة فبعضهم يجعلها قبل الخندق وبعضهم الآخر يجعلها بعدها إلا أن المرجح - كما يبدو من سياق الأحداث - أن ذلك حدث بعد معركة الخندق . ( 2 ) ابن سعد 2 / 1 / 67 .