عماد الدين خليل

290

دراسة في السيرة

الخنادق ، ثم جيء بهم فوجا فوجا حيث لاقوا مصيرهم ودفنوا هناك ، وبلغ عددهم بين الستمائة والسبعمائة رجل فيهم سيدهم كعب بن أسد وحيي بن أخطب ، زعيم بني النضير الذي كان قد لجأ إلى حصون بني قريظة بعد انسحاب الأحزاب ، وامرأة كانت قد ألقت - خلال الحصار - رحى على مسلم يدعى خلاد ابن سويد فقتلته . وما أن تم تنفيذ الحكم برجال بني قريظة حتى انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا « 1 » بعد أن استجاب ربه لدعائه يوم جرح في معارك الخندق « اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه . اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة » « 2 » . وبفتح حصون بني قريظة يكون المسلمون قد تخلصوا من آخر كتلة يهودية في المدينة اختارت بنفسها - كسابقاتها - أن تقف من الإسلام موقف الحقد والعداء ، وأن تنقض ميثاقها مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ولم يكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليستخدم أسلوب العقاب الجماعي إزاء اليهود الذين لم يروا منه - كما قال سيدهم كعب بن أسد - إلا وفاء وصدقا . فكان لا يعاقب إلا القبائل التي نقضت عهدها معه تاركا القبائل الآخرى تمارس حريتها الدينية والمدنية كاملة ما دامت على عهدها . وهكذا لم تؤد حادثة سوق الصاغة إلا إلى إجلاء مسببيها من بني قينقاع ، كما لم تؤد محاولة اغتياله إلا إلى طرد القائمين بها من بني النضير ، ولو ظلت بنو قريظة على عهدها ، ولم تمارس خيانتها الخطيرة في معركة الخندق لكان لها شأن آخر غير المصير الذي انتهت إليه ، هذا فضلا عن أن العقاب الذي كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم ينزله بخصومه اليهود كان يجيء دوما مكافئا لحجم الجرم الذي مارسته الكتل اليهودية ، إذ سمح لكل من بني قينقاع وبني النضير بالخروج إلى أي مكان يشاؤون داخل الجزيرة أم خارجها ، بعد أن حقن دماءهم ولم يستخدم أسلوب القتل إلا إزاء أولئك الذين خانوا العهد في ساحة الحرب وتعاونوا مع الأعداء ، وهو العقاب الذي تمارسه جميع القوانين . أما اليهود ، كأفراد لا ينتمون إلى هذه الكتلة وتلك من الكتل اليهودية ذات الوجود السياسي والعسكري ، فقد ظلوا حتى

--> ( 1 ) ابن هشام ص 228 - 229 ، 232 ، الطبري : تاريخ 2 / 588 - 589 ، 592 ، الواقدي : 2 / 513 - 518 ، السمهودي : وفاء الوفا 1 / 220 - 221 ، ابن كثير : البداية والنهاية : 4 / 126 - 130 . ( 2 ) الطبري : تاريخ 2 / 575 ، ابن سعد 2 / 1 / 56 ، الواقدي 2 / 512 ، 525 .