عماد الدين خليل
285
دراسة في السيرة
الانتصارات المتتالية عليهم ، وإذن فإن خير أسلوب لتفادي الهزيمة كرة أخرى هي أن يسعوا لتشكيل حلف قوي يضم كافة القوى الوثنية واليهودية وتوجيه ضربة مشتركة للإسلام لا تقوم له بعدها قائمة . وسرعان ما انطلق نفر منهم على رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق ، وغيرهم للاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل الوثنية الكبرى وإقناعهم جميعا بالفكرة التي توصلوا إليها . وعندما قدموا على قريش ودعوها إلى حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا : إنا سنكون معكم حتى نستأصله ، أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييا عن قومه من بني النضير فقال : تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه . فسألوه عن بني قريظة فقال : أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم . وتساءل بعض رجالات قريش : يا معشر اليهود ، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ أجاب اليهود : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه . كان اليهود مستعدين لأن يزيفوا كل شيء ، ويتجاوزوا منطقهم الديني نفسه في سبيل التودد إلى الوثنية وتحريكها لضرب الإسلام . ولقد نجحوا في هذا السبيل ، بعد أن اتصلوا بالقبائل العربية الآخرى ، وانطلق الأحزاب في هجوم شامل على المدينة لاستئصال الإسلام « 1 » . ولقد أدرك زعماء بني النضير أن هدفهم لن يكسب ضمانه النهائي إلا بإقناع يهود بني قريظة في يثرب ، أولئك الذين كانوا لا يزالون ملتزمين بميثاقهم مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، بالتمرد على التزامهم والإنضواء إلى صفوف الأحزاب ، والعمل سوية على توجيه الضربة القاصمة للعدو المشترك . فانطلق حيي بن أخطب « 2 » ، وقد حوصرت المدينة ، إلى حصون بني قريظة القابعة إلى الجنوب منها ، وقصد زعيمها كعب بن أسد . فلما سمع هذا بقدوم حيي أغلق دونه باب حصنه تجنبا للمشاكل والتزاما بعهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستأذنه حيي بالدخول عليه فأبى أن يفتح له ، فناداه حيي محاولا إقناعه بما جاء من أجله : ويحك يا كعب . . افتح لي . أجابه كعب : ويحك يا حيي ، إنك امرؤ مشؤوم وإني قد
--> ( 1 ) ابن هشام ص 211 - 212 ، الواقدي : 2 / 441 - 442 ، وانظر : الشريف : مكة والمدينة ص 455 . ( 2 ) يذكر ابن سعد 2 / 1 / 48 بأن أبا سفيان هو الذي دس حييا إلى بني قريظة كي ينقضوا عهدهم ، ويذهب الواقدي إلى ما ذهب إليه ابن سعد : المغازي 2 / 454 - 455 .