عماد الدين خليل

283

دراسة في السيرة

أيام وإن من شوهد منهم بعد انتهاء المدة ضربت عنقه . لكن اليهود لم يستجيبوا للإنذار وراحوا يهيئون أنفسهم لحصار طويل ، وحينذاك أصدر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أوامره بالتهيؤ للمسير إلى حصون بني النضير وقتالهم . ما إن علم بنو النضير بتحرك المسلمين حتى لجؤوا إلى حصونهم يحتمون بها ، ففرض المسلمون الحصار عليهم ، وأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقطع نخيلهم وتحريقها لإرغامهم على التسليم وهم الحريصون على المال والمتاع ، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ فلم يلتفت الرسول صلى اللّه عليه وسلم لمثالياتهم التي يعرف جيدا أنهم أول الناس بتخطيها إذا ما تعارضت ومصالحهم ، فشدد الحصار عليهم . وراح بنو النضير يقاومون بانتظار النجدة التي وعدهم بها عبد اللّه بن أبيّ زعيم المنافقين ، دون جدوى ، وبدأ الرعب يدب في نفوسهم ، ثم ما لبثوا أن أعلنوا عن استسلامهم ، بعد خمسة عشر يوما من الحصار ، وموافقتهم على الجلاء أسوة برفاقهم من بني قينقاع ، على أن يحقن الرسول صلى اللّه عليه وسلم دماءهم ويسمح لهم بحمل ما تقدر إبلهم على حمله فيما عدا السلاح ، فأجابهم إلى ذلك ، فحملوا إبلهم الكثير من الأموال والمتاع وانطلقوا شمالا حيث استقر بعضهم في خيبر وعلى رأسهم زعماء بني النضير : سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب حيث دان لهم أهلها بالطاعة ، واستمرت طائفة أخرى في مسيرها صوب الشام . ووضع الرسول صلى اللّه عليه وسلم يديه على ما تركوه من أموال ، فقسمها على المهاجرين الأولين الذين كانوا يعانون الفقر والجوع ولم يمنح للأنصار شيئا سوى رجلين فقيرين منهم ، رغبة منه صلى اللّه عليه وسلم في إعادة التوازن الاجتماعي بين أصحابه ، وهي سابقة عملية أخرى ، لا تقل خطورة عن تجربة ( المؤاخاة ) في دلالتها الاجتماعية على رغبة الإسلام العميقة في تنفيذ التوازن الاجتماعي وتذويب الفروق الطبقية بين فئات المجتمع الواحد ، وإحلال التعاون والوفاق محل التقاتل والتحاقد والصراع « 1 » . ولم يفلت عمرو بن جحاش من طائلة العقاب إذ سرعان ما أمر الرسول ابن يامين بن عمير - الذي أعلن إسلامه خلال فترة الحصار - أن يدبر أمر اغتياله

--> ( 1 ) ابن هشام ص 202 - 205 : الطبري : تاريخ 2 / 550 - 555 ، ابن سعد 2 / 1 / 40 - 42 ، الواقدي 1 / 363 - 380 ، اليعقوبي 2 / 40 ، ابن الأثير : الكامل 2 / 173 ، البلاذري : فتوح البلدان 1 / 18 - 19 ، أنساب 1 / 339 ، ابن حزم : جوامع السيرة ص 181 - 182 ، ابن كثير : البداية والنهاية 4 / 74 - 80 ، المقدسي 4 / 212 - 213 .