عماد الدين خليل
281
دراسة في السيرة
بحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني . أجاب كعب : أفعل . قال أبو نائلة : كان قدوم هذا الرجل ( يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلم ) بلاء علينا ، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهدت عيالنا . فقال كعب : أنا ابن الأشرف ، أما واللّه لقد كنت أخبرتك أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول . فقال أبو نائلة : إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك . وطلب كعب أن يرهنوه أبناءهم فأقنعه أبو نائلة أن ذلك مما لا ترضاه العرب وأن من الأفضل لو يجعل الرهن سلاحا - وكان هدفه ألا ينكر كعب وجماعته السلام إذا جاءهم به - فوافق كعب على ذلك . وفي بقيع الغرقد اجتمعوا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وتلقوا منه التعليمات وقال لهم : انطلقوا على اسم اللّه ، اللهم أعنهم . فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصن كعب وناداه أبو نائلة ، فنزل إليهم وتحدث معهم ساعة ، حتى إذا توغلوا بعيدا عن مساكن اليهود أخذ أبو نائلة برأسه وصاح : اضربوا عدو اللّه ، فصرخ كعب صرخة لم يبق من جرائها حصن يهودي إلا أوقدت عليه النار ، وما لبثت سيوف المسلمين أن تناوشته وأجهزت عليه ، وقفلوا عائدين بعد أن أصيب أحدهم بجرح . وسرعان ما تبدت ردود فعل اليهود إزاء مقتل فارسهم وشاعرهم خوفا وجبنا « فليس في المدينة يهودي إلا وهو يخاف على نفسه » « 1 » . ودفعهم الفزع إلى مقابلة الرسول صلى اللّه عليه وسلم حيث قالوا له : قد طرق صاحبنا الليلة ، وهو سيد من ساداتنا ، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه . فأجابهم الرسول : إنه لو قرّ كما قرّ غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف . ثم ما لبث أن عرض عليهم أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه ، فأجابوه إلى ذلك حيث أصابهم الخوف والذل « 2 » .
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ 2 / 487 - 491 ، ابن سعد 2 / 1 / 21 - 23 ، البخاري : التجريد 2 / 79 - 80 ، الواقدي 1 / 121 - 122 ، 184 - 193 ، ابن حزم : جوامع السيرة ص 154 - 156 ، ابن الأثير : الكامل 2 / 143 - 144 ، المقدسي 4 / 197 ، ابن كثير : البداية والنهاية 4 / 5 - 9 . ( 2 ) الواقدي : 1 / 192 .