عماد الدين خليل
275
دراسة في السيرة
والأنصار في الشوارع . ولم يمض ثمانية عشر شهرا على قدوم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى يثرب حتى تليد الجو بالغيوم الكثيفة وجعل كل فريق يتواصى بالحذر والنفور من الفريق الآخر « 1 » . وزاد الأمر توترا انضمام المنافقين إلى اليهود في حربهم النفسية مع المسلمين . ولقد جاء في الآيات الأولى من سورة البقرة ، التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول وبصدد الحديث عن المنافقين وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ، فقد قال جمهور المفسرين إن شياطينهم هم اليهود ، ويدل هذا على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق أو شجعوهم في مواقف الخداع ، وعلى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين لم يغب عنهم ذلك « 2 » . وبلغ الجدل بين محمد صلى اللّه عليه وسلم واليهود مبلغا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه ، فقد نزل إحدى وثمانون آية من سورة البقرة ، وقسم كبير من سورة النساء وكله يذكر هؤلاء اليهود وإنكارهم لما في كتابهم ويلعنهم ، لكفرهم وإنكارهم ، أشد اللعنة « 3 » . ولم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار ، وبين الأوس والخزرج ، ولم يكفهم فتنة الناس عن دينهم ، ومحاولة ردهم إلى الشرك ، دون تهويدهم ، وصدهم من يريد الإسلام من المشركين ، بل حاولوا فتنة محمد صلى اللّه عليه وسلم - كما رأينا - بإلقاء أسئلة محرجة عليه - مستعينين بما عندهم من علم الكتاب - كان القرآن يتصدى لدحضها أو الإجابة عليها ، أو فضح نواياها « 4 » . وحين ضاق اليهود ذرعا بمحمد فكروا في أن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلته قريش عن مكة ، فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا إلى بيت المقدس وكان مقامهم به . . لكن محمدا أدرك ما يرمون إليه ، وأوحى اللّه إليه على رأس سبعة عشر شهرا من مقامه بالمدينة أن يجعل قبلته المسجد الحرام ،
--> ( 1 ) تاريخ اليهود ، ص 123 - 125 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 14 . دروزة : سيرة الرسول 2 / 121 . ( 3 ) انظر : سورة البقرة : الآيات 87 - 89 ، تفسير الطبري 2 / 333 . ( 4 ) الشريف : مكة والمدينة ص 474 - 479 .