عماد الدين خليل

272

دراسة في السيرة

على ضرورة دخولهم الدين الجديد ، إن أرادوا الحفاظ على جوهر يهوديتهم التي حملها موسى إلى بني إسرائيل ، وعندما راحت آيات القرآن الكريم تنزل سخطها وغضبها على ما يمارسه اليهود بحق دينهم وكتبهم من تزييف وتحريف من أجل أن يحموا مصالحهم ويضيفوا إلى أموالهم أموالا . أضف إلى ذلك ما كان يلقاه الإسلام من انتشار متزايد في يثرب وأطرافها ، الأمر الذي كان يعني عزل اليهود والحد من نشاطهم الديني والاقتصادي على السواء ، فضلا عن الوحدة العميقة التي أنشأها الإسلام بين الأوس والخزرج وسدّ بها الطريق على اليهود واستغلالهم الفاجر للصراع الدامي بين الحيين . وبدأ يتضح لليهود ، يوما بعد يوم ، المصدر الأساسي للخطر الذي تشكله الدعوة الجديدة بمواجهة اليهودية . . إن النبي يدعو إلى ( توحيد ) غير الذي يؤمن به اليهود ، على أساس قومي استعلائي مغلق ، من أن اللّه الواحد هو إله إسرائيل الذي اختارهم لنفسه من دون الناس ، وبذلك كانوا يرون لأنفسهم ميزة على الناس وكانت أمنيتهم دوما أن يجدوا من يأتي بما يهوون من سيطرة ونفوذ لا بما تتطلبه الدعوة من إصلاح وخير يعم الناس جميعا ، ومن أجل ذلك كذبوا أنبياءهم وحاربوا المسيح عليه السلام وسعوا إلى قتله ، فإذا ما جاء محمد فدعا إلى هذا الإله الواحد للناس جميعا ، بغضّ النظر عن أجناسهم ، فإنه بذلك يزيل عن بني إسرائيل هذه الميزة التي يستفتحون بها على الآخرين ، وإذن فلا تهادن بينهم وبين محمد الذي يسعى إلى تحطيم تلك القواعد المقررة التي سار عليها اليهود ، فقامت بينهم وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم محاجات ومجادلات ما لبثت أن اتخذت من جانبهم موقف التحدي والمعاندة ، بل إنهم اندفعوا في عدائهم فتورطوا في تفضيل الأصنام على التوحيد « 1 » . ورغم أن ولفنسون أكد على خطورة مبدأ ( التوحيد ) الإسلامي وعالميته إزاء « العقلية اليهودية التي لا تلين أمام شيء يزحزحها عن دينها ، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبي من غير بني إسرائيل » ، إلا أنه يقع في خطأ القول بأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لو لم يكلف اليهود الاعتراف برسالته ، ولو وقفت تعاليمه عند حد محاربة الوثنية فحسب ، لما وقع نزاع بينهم وبين المسلمين ، ولكانوا قد نظروا بعين ملؤها

--> ( 1 ) الشريف : مكة والمدينة ، ص 412 - 415 .