عماد الدين خليل
27
دراسة في السيرة
والمدينة إلى أن يستأصل أسباب الشر الاجتماعي ، ويقتل جميع جراثيمه ، كما يحاول أن يفعل اليوم جماعة الاشتراكيين على اختلاف أسمائهم ونزعاتهم ، بل كانت غايته الكبرى أن يخفف من وطأة تلك الأمراض على بعض طبقات الناس ممن خلقوا بعد قسمة الأرزاق أو وقعوا في الفقر والرق لأسباب لم يقو على مقاومتها ، وإلا فلو أراد أن يقتل جراثيم الأمراض الاجتماعية كلها لكان لجأ بعد أن أصبح صاحب الأمر والنهي في جزيرة العرب ، إلى وسائل غير تلك التي ذكرناها . وما مثل النبي من هذا الوجه إلا كمثل سائر الأنبياء الذين سبقوه ، ولا سيما أنبياء بني إسرائيل ، أي أنه فضّل استعمال الوسائل الأدبية - إلا فيما ندر من الظروف - على غيرها من الطرق التي لجأ إليها بعصرنا بعض مصلحي وسياسيي أوروبا كلينين وموسوليني وغيرهما . . وعليه يمكننا أن نقول إن محمدا أجاد في وصف الأمراض الاجتماعية العربية وتعدادها أكثر منه في علاجها واستئصال جراثيمها . . » « 1 » . مونتكمري وات : « إن زيارة محمد لحراء ، وهو جبل قريب من مكة ، بصحبة عائلته أو بدونها ، ليست مستحيلة ، ويمكن أن يكون ذلك للفرار من أتون المدينة خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه إلى الطائف ، ويمكن للتأثير اليهودي - المسيحي ولا سيما مثل الرهبان ، أو تجربة شخصية لمحمد ، أن يكون قد أثار فيه الحاجة للخلوة والرغبة فيها » « 2 » . « تعتبر كلمة ناموس عادة مشتقة من كلمة Nomos اليونانية ، وهي تعني إذن ( الشريعة ) أو ( الكتب المقدسة ) ، وهذا يتفق تماما مع ذكر موسى . وقد أبدى ورقة ملاحظة ، بعد أن أخذ محمد يتلقى الوحي ، وهي تعني أن ما نزل على محمد مماثل لكتب اليهود والمسيحيين المقدسة . كما أن محمدا سمع ما يوهمه بأنه مؤسس أمة ومشرع لها . وإذا كان محمد ، كما يبدو ، مترددا بطبعه ، فإن هذا التشجيع بإقامة بناء ضخم على تجاربه يرتدي أكبر أهمية لتطوره الداخلي . . وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيرا بأفكار ورقة » « 3 » . وفي مكان آخر من كتاب وات نقرأ هذه العبارات « ادعى كايتاني أن سكان المدينة رضوا بمحمد ككاهن أعلى فقط لأنهم كانوا بحاجة إلى الاستقرار الداخلي
--> ( 1 ) من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ص 44 - 45 . ( 2 ) محمد في مكة ص 81 . ( 3 ) المصدر السابق ص 92 - 93 .