عماد الدين خليل

267

دراسة في السيرة

بني قريظة ثم توفي قبل البعثة بسنتين ، ولما شعر أنه ميت لا محالة قال : يا معشر يهود ما ترون أخرجني من ( الشام ) إلى أهل البؤس والجوع ( الحجاز ) ؟ قالوا : أنت أعلم ، قال : إنما قدمت هذه الأرض أتوكف - أتوقع - خروج نبي قد أظل زمانه ، وهذه أرض مهاجره ، وكنت أرجو أن يبعث فأتبعه « 1 » . من أجل ذلك راح اليهود يعلنون ، بين الحين والحين ، عن قرب ظهور النبي الأخير ، ويتباهون بذلك ، ويهددون بالانتماء إليه ، ويتوعدون مخالفيهم ، من أجل مزيد من السيطرة والإذلال واحتكار المقدرات المادية والمعنوية لمئات الآلاف من العرب المحيطين بهم كجزيرة منقطعة « 2 » . ولم يكن الكثيرون من أحبار اليهود يتوقعون أن النبي الجديد سيجيء هذه المرة من سلالة أخرى غير السلالة اليهودية المعروفة ، وأنه بانتمائه العربي سيشكل خطرا ماحقا على وجودهم المستغل ، وبدعوته العالمية المفتوحة سيكتسح تجمعاتهم القومية المغلقة ، وبمبادئه العادلة الواضحة سيفضح طقوسهم وأسرارهم التي يرتزقون منها ويضمنون بقاءهم في المراكز العليا لبني قومهم . وما أن حان الموعد ، وحلّ الأجل المضروب في التوراة والإنجيل ، ولم يظهر في اليهود النبي الذي ظنوه منهم ، وولد محمد صلى اللّه عليه وسلم يحمل علامات نبوته المادية والأدبية ، حتى بدأ اليهود يتخوفون من أن تخطىء ظنونهم ، وألاتكون النبوة فيهم فيصابون بخسارتين . . وأصبح الطفل الذي سيبعث إلى العالم في خطر دائم من مكر اليهود وعرقيتهم التي تتيح لهم اتخاذ أي أسلوب ، مهما كان دنيئا ، لوقف كل ما يتهدد مصالحهم ووجودهم ، حتى لو كان هذا الأسلوب القتل والغيلة . وهذا هو الذي يفسر لنا تحذير الراهب النصراني بحيرا لأبي طالب « ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ، ليبغنّه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم » « 3 » . إن قصة بحيرا ، إذا ما أسقطها النقد من الحساب ، فإن دلالة واحدة فيها

--> ( 1 ) انظر : محمد رواس قلعجي : محمد في الكتب المقدسة ( مجلة حضارة الإسلام عدد 1 - 2 سنة 8 ) وانظر ابن كثير : البداية والنهاية 2 / 308 - 310 وابن هشام ص 42 والطبري تاريخ 2 / 295 وانظر كذلك رواية حسان ابن ثابت في ابن هشام ص 28 . ( 2 ) انظر الطبري : تاريخ 2 / 354 . ( 3 ) ابن هشام ص 36 .