عماد الدين خليل

262

دراسة في السيرة

يعلنوها معه فليعلنها هو ، باسمه وباسم أتباعه . ومضمون الآيات « 1 » وروحها يلهمان أن النبي كان في موقف القوي المطمئن بقوة موقفه وصحة دعواه والمستعلي على مناظره بالحجة الدامغة والتحدي المفحم والدعوة التي لا يردها إلا الممتري . وهنالك الكثير من الإضافات المناقضة للمعقول والمنقول ترد حول مسألة المباهلة ( أو الملاعنة ) رغم أن ابن هشام الذي انفرد بتفصيل خبر المناظرة لم يذكر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم استعد للمباهلة لأن أسلوب الآية لا يقتضي ذلك ، وهو أسلوب تحد وإفحام « 2 » . وقد ارتأى الوفد النصراني أن يعرض على الرسول صلى اللّه عليه وسلم الحكم فيهم بما يراه ، فصالحهم صلى اللّه عليه وسلم وكتب لهم عهدا يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية ، لم يفرض عليهم سوى جزية عينية قدرها ألفي حلّة في السنة وقد جاء فيه « . . . ولنجران وحاشيتهم جوار اللّه وذمة محمد النبي رسول اللّه على أنفسهم ، وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم ، لا يغيروا أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته ولا واقفا عن وقفانيته ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير . . . ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين . . . ولا يؤاخذ أحد منهم بظلم آخر . وعلى ما في هذه الصحيفة جوار اللّه وذمة النبي أبدا حتى يأتي اللّه بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم . . » « 3 » . وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح إذ كانوا كالأتباع لهم « 4 » . وبتلك المعاهدة السمحة « 5 » قطع الإسلام الصلة بين أولئك العرب المتنصرين وبين دولة الروم التي يشتبك معها في الحرب ، بعد ما ضمن الحرية

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآيات 34 - 57 ، 58 - 64 . ( 2 ) دروزة : سيرة الرسول 2 / 246 - 248 . ( 3 ) ابن سعد 1 / 2 / 36 ، 84 - 85 البخاري : تجريد 2 / 97 - 98 البلاذري : فتوح 1 / 76 - 78 ، اليعقوبي : تاريخ 2 / 71 - 72 وانظر دروزة 2 / 237 - 238 ( بالتفصيل ) . ( 4 ) البلاذري : فتوح 1 / 78 وقد ظلوا على ذلك طيلة عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم وخلافة أبي بكر ( رضي اللّه عنه ) فلما استخلف عمر ( رضي اللّه عنه ) « أصابوا الربا - الذي منعوا من التعامل به - وكثروا فخافهم على الإسلام » فأجلاهم إلى العراق والشام ( المصدر السابق 1 / 78 ) ويبدو أن دورهم في إسناد حركات الردة لم يكن خافيا عليه . ويتضح هذا من عبارة البلاذري الآنفة ( فخافهم على الإسلام ) وعندما التمسوا من علي ( رضي اللّه عنه ) في خلافته إعادتهم أجابهم « أن عمر ( رضي اللّه عنه ) كان رشيد الأمر وأنا أكره خلافه » : المصدر السابق 1 / 80 . ( 5 ) انظر عن نصوص المعاهدات المتعلقة بنصارى نجران : محمد حميد اللّه : الوثائق 175 - 201 .