عماد الدين خليل

244

دراسة في السيرة

ونحن نجد في رسائل الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى حكام العالم تأكيده الدائم على شهادة ( لا إله إلا اللّه ) في عصر طغت فيه الربوبيات الزائفة واتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه . ولم يتهادن الرسول صلى اللّه عليه وسلم في طرح هذا الشعار إزاء حكام العالم ، كما لم يتهادن به في صراعه مع الوثنية العربية منذ أول لحظة ، فهو المنطلق الأساسي للدعوة الجديدة ، والقاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام وبدونها يتميع ويتفكك ويضيع . ونلمح ، في الوقت نفسه - وفيما وراء هذا الشعار - مرونة وتكييفا دبلوماسيا كان الرسول يصوغ بموجبه رسائله إلى الحكام فيعرض عليهم بعض جوانب اللقاء الديني بين الإسلام والنصرانية ، ويمنيهم بالخير العميم في الدنيا والآخرة في حال انتمائهم للدين الجديد ، الذي هو ليس سوى إتمام للشوط الذي كان موسى وعيسى عليهما السلام قد سارا عليه من قبل ، ولكنه صلى اللّه عليه وسلم كان يدفع خلال السطور كلمات وعبارات ينذرهم فيها أنهم إن لم يستجيبوا فإنهم سيعرضون مراكزهم للخطر وزعاماتهم للبوار ! ! وكان صلى اللّه عليه وسلم فضلا عن هذا وذاك يقدر طبيعة الموقف الذي يصدر عنه ( الحاكم ) فيرد عليه بما يشبهه ويوازيه : تهديدا للحاكمين الذين يتمادون في الضلال ويشيحون عن مصدر النداء ، ويعربون عن مواقفهم بكلمات وألفاظ عدائية ، وقبولا وانفتاحا على الساسة الذين يصدرون عن نيات طيبة وإخلاص صادق . إلا أن المكسب الأكبر الذي حققه صلى اللّه عليه وسلم من وراء مكاتباته تلك ، أنها جاءت حملة ( إعلامية ) على النطاق الدولي من أن هذا الدين ليس دين عرب أو جزيرة عربية ، وإنما هو دين الإنسان حيثما كان هذا الإنسان . . ونداء إلى السلطات الحاكمة أن تستجيب للدعوة أو تسمح - على الأقل - لدعاتها بممارسة نشاطهم بحرية ولشعوبها في مقابلة هؤلاء الدعاة والاستماع إليهم لكي يختاروا عقيدتهم على بيّنة ، بعيدا عن الضغط والقسر والإكراه . . وإنذارا لهذه السلطات بأنها إن لم تلبّ وتستجيب فإن جيوش الدعوة الجديدة ستنساح عما قريب في مشارق الأرض ومغاربها ، لكي تسقط التيجان وتثل العروش وتنزل السلطات من مناصبها العليا ، وتخرج الناس - بذلك وحده - من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده . إن توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعمور من أرض اللّه يومئذ أمر يثير التأمل . لقد كان العرب يستكثرون النبوة على واحد منهم ويوسعونه جحودا ، فما