عماد الدين خليل

241

دراسة في السيرة

وانطلق شجاع بن وهب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق ، يحمل كتابا جاء فيه « سلام على من اتبع الهدى وآمن به . إني أدعوك إلى أن تؤمن باللّه وحده لا شريك له ، يبقى لك ملكك » . فماذا كان جواب الأمير الذي يتعاطى العمالة والتبعية لسيده البيزنطي ؟ « من ينزع مني ملكي ؟ أنا سائر إليه ولو كان باليمن » وأمر بإعداد الخيول ، ثم قال للرسول : أخبر صاحبك ما ترى ، كما كتب إلى قيصر يطلعه على ما جرى وما اعتزم عمله ، فكتب إليه قيصر ألا تسير إليه ، وأله عنه ، ووافني بإيلياء « 1 » . ولم يستطع الحارث - بالطبع - أن يتحرك ضد المسلمين لأن أمره ليس بيده ولأن سيده البيزنطي كان أكثر ذكاء منه فلم يتحرك إلا بعد حوالي السنتين ، وبعد أن تأكد من طبيعة الدولة الجديدة في الجنوب وأدرك أبعادها الحقيقية . . لكن ( الصغار ) كثيرا ما يندفعون أمام ( الكبار ) ويجاوزونهم خطوات وخطوات ، ملتفتين إليهم بين الحين والحين بإعجاب ، لكي يحظوا بتشجيعهم وهداياهم ! وإلى النجاشي ، حاكم الحبشة ، بعث الرسول صلى اللّه عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ليتكلم معه بشأن المهاجرين ، وليدعوه في الوقت نفسه إلى الإسلام ، حاملا معه كتابيه بهذا الشأن وقد جاء في كتاب دعوته إلى الإسلام « . . من محمد رسول اللّه إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة . سلم أنت ، فإني أحمد إليك اللّه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى ، فخلقه اللّه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه . وإني أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له والولاء على طاعته ، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني ، فإني رسول اللّه ، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين ، فإذا جاؤوك فأكرمهم ، ودع التجبر ، فإني أدعوك وجنودك إلى اللّه ، فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي ، والسلام على من اتبع الهدى » « 2 » . ويحدثنا ابن إسحاق وابن سعد كيف أن النجاشي تقبّل الرسالة بقبول حسن وأجاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم برسالة رقيقة يعلن فيها إسلامه وأن ما قاله في عيسى عليه

--> ( 1 ) الطبري : تاريخ 2 / 652 ، وابن سعد 1 / 2 / 17 . ( 2 ) الطبري : تاريخ 1 / 652 ، ابن سعد 1 / 2 / 15 ، وانظر النص الكامل في محمد حميد اللّه : الوثائق ص 99 - 106 .