عماد الدين خليل
237
دراسة في السيرة
لضرب المسلمين في المدينة ( في ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة ) ، إلا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أخذ زمام المبادرة ، وتحرك بسرعة صوب الشمال ، على رأس ألف من أتباعه ، معتمدا أسلوب ( اضرب قبل أن تضرب ) . ومن أجل أن يباغت القوم في ديارهم أخذ يسير بأصحابه ليلا ويمكن نهارا ، حتى اقترب من هدفه فجعلت القبائل العربية القاطنة هناك تهرب من بين يديه لا تلوي على شيء . وبعد أن بث سراياه في المنطقة قفل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عائدا دون أن يلقى من العدو كيدا « 1 » . وهكذا يمكن اعتبار غزوة ( دومة الجندل ) هذه أول حلقة في سلسلة الصراع الحربي بين عالمي الإسلام والنصرانية ، يؤكد هذا ما ذكره الواقدي من أنه قيل للرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو بصدد مهاجمة دومة الجندل : إنها طرف من أفواه الشام فلو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر « 2 » . ولم يمض سوى عام وبعض عام حتى قام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بإرسال عبد الرحمن بن عوف ( في شعبان من السنة السادسة ) لقتال قبيلة كلب النصرانية في نفس المنطقة وقال له : ( اغز باسم اللّه وفي سبيل اللّه فقاتل من كفر باللّه ، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدا ) ، وطلب منه أن يتزوج ابنة ملكهم إن استجابوا له ، تعزيزا للعلاقات بين الطرفين وكسبا لودّ هذه القبيلة الموالية للعدو البيزنطي . فتقدم عبد الرحمن إلى دومة الجندل ، ومكث هناك ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام ، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي ، أميرهم النصراني ، وأسلم معه ناس كثير من قومه ، بينما وافق الآخرون على الاستمرار في دفع الجزية مع البقاء على دينهم . ونفذ عبد الرحمن أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتزوج تماضر ابنة الأصبغ وقدم بها إلى المدينة « 3 » . وقد كان من نتائج هذين الانتصارين أن أدركت القبائل الضاربة هناك أن حجم القوة الإسلامية وقدرتها على التحرك أكبر مما كانت تظن ، وربما بلغ ذلك القيادة البيزنطية نفسها فكفت عن تكرار المحاولة ، ردحا طويلا من الزمن ، أتاح للمسلمين تحقيق انتصارهم على الوثنية ، في صلح الحديبية ، وتصفية المواقع
--> ( 1 ) ابن هشام ص 211 ، الطبري : تاريخ 2 / 564 ، ابن سعد 2 / 1 / 44 - 45 ، الواقدي 1 / 402 - 404 ، المسعودي : التنبيه والإشراف ص 214 - 215 ، ابن حزم : جوامع ص 184 - 185 ابن كثير : البداية والنهاية 4 / 92 . ( 2 ) مغازي رسول اللّه 1 / 403 . ( 3 ) ابن سعد 2 / 1 / 64 - 65 .