عماد الدين خليل

213

دراسة في السيرة

ولا جبانا ولا كذابا . ثم تقدم إلى بعير قريب منه فاستل منه وبرة جعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال : ( أيها الناس ، واللّه ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة ، إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ) ! ! ثم راح يوزع الغنائم ، مختصا بقسمها الأكبر زعماء القبائل العربية التي أسلمت أخيرا من أجل أن يتألفهم وقومهم بها ، فأعطى كل واحد منهم عشرات من الجمال . وعندما رأى الأنصار أن الغنائم قد حجبت عنهم ، وانصبت بين أيدي قريش وقبائل المنطقة وجدوا في أنفسهم ، وتناوشتهم الظنون ، فراحوا يتهامسون بها ، وقال قائلهم : لقي واللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قومه ، ولم يشأ زعيمهم سعد بن عبادة إلا أن يصارح الرسول بما يدور بين أتباعه ، فسأله الرسول : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ أجاب : يا رسول اللّه ما أنا إلا من قومي ، فقال له الرسول : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة . وقف الرسول صلى اللّه عليه وسلم في جموع الأنصار خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : ( يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه ، وعالة فأغناكم اللّه ، وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ؟ قالوا : بلى ، واللّه ورسوله أمنّ وأفضل . قال : ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ورسوله المن والفضل . قال : أما واللّه لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم : أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فاويناك ، وعائلا فاسيناك . أو ؟ ؟ جدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ) . فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا : رضينا برسول اللّه قسما وحظا « 1 » . وانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتفرقوا وهم يعلمون يقينا البعد الحقيقي للدرس الذي منحهم إياه نبيهم ومعلمهم .

--> ( 1 ) ابن هشام ص 314 - 318 الطبري 3 / 89 - 94 ابن سعد 2 / 1 / 110 - 111 الواقدي 3 / 943 - 949 ، 956 - 958 وانظر : البخاري : تجريد 2 / 93 .