عماد الدين خليل

209

دراسة في السيرة

ولّد سقوط مكة قاعدة الوثنية رد فعل عنيف لدى القبائل العربية في الشمال وعلى رأسها هوازن وثقيف ، ورأت أن تتحرك لتوجيه ضربة قاصمة للقوات الإسلامية قبل أن يستفحل الخطر وتجد هذه القبائل نفسها محاطة من كل مكان . إذ أن السكوت إزاء ما يحققه المسلمون من انتصارات ، يعني فتح الطريق أمامهم لتغطية الجزيرة كلها بدينهم الجديد ، واكتساح مواقع الوثنية واحدة واحدة ، سيما وأن ( أم القرى ) قد ألقت السلاح دونما قتال أو مقاومة ، هذا إلى أن هذه القبائل كانت - لدى سماعها بمغادرة الرسول المدينة على رأس قواته - قد تجمعت خوفا من أن يغزوها الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقال زعماؤها بعد فتح مكة : « قد فرغ لنا ، فلا ناهية له دوننا ، والرأي أن نغزوه » . وتولت هوازن كبر المحاولة حيث جمعها زعيمها مالك بن عوف النصري وانضمت إليها ثقيف كلها ، ولحق بهما بعد قليل قبائل نصر وجشم وسعد بن بكر وعدد من أبناء بني هلال وبني مالك ، واتفق قادتهم على أن يسلموا بزعامة مالك ابن عوف ، فرأى هذا أن يسير مع المقاتلين ، نساؤهم وأطفالهم وأموالهم كي يستميتوا في القتال . . . وعندما عسكر في أوطاس ، أحد وديان هوازن ، اعترض دريد بن الصمة الجشمي على رأي مالك في جلب النساء والأطفال والأموال ، وسأله لم ذاك ؟ فأجاب مالك : أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم ، فقال دريد وهو شيخ كبير مجرب : راعي ضأن واللّه ! وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك . فرفض مالك الأخذ برأيه أنفة واستعلاء ونادى قومه : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد « 1 » . عندما سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم نبأ هذا التحرك الوثني بعث أحد أصحابه مستخبرا ، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم . فتسلل الرجل إلى مواقع العدو وعاد ليخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بما أجمع عليه هؤلاء من قتال المسلمين . فانطلق الرسول صلى اللّه عليه وسلم في مطلع شوال على رأس اثني عشر ألف مقاتل كان من ضمنهم ألفان من المكيين أسلموا بعد الفتح . وسرعان ما وجد المسلمون أنفسهم مضطرين إلى اجتياز واد من أودية تهامة ، شديد الانحدار يدعى حنينا ، في

--> ( 1 ) ابن هشام ص 297 - 299 الطبري 3 / 70 - 72 الواقدي 3 / 885 - 889 .