عماد الدين خليل

20

دراسة في السيرة

الانفعالات النفسية والعوامل السياسية التي ظهرت بعد موقعتي بدر وأحد وحصار المدينة ، وكان من نتائجها أن النبي أخذ يلطّف من سياسته نحو إخوانه المكيين ، كما أن أصحاب السلطة في مكة رأوا - بعد ما أصابهم في موقعة بدر ، وبعد ما لحق بتجارهم من الخسائر - أن يتساهلوا في أمور كثيرة مع النبي على شروط تضمن لهم بقاء الكعبة والحج وعكاظ على ما كانت عليه قبل الإسلام ، وأن يشملهم بالعفو - إلا بعض أشخاص - ويشركهم في عمله الجديد الذي أخذوا يتوقعون منه خيرا لأنفسهم . وربما كان من شروط التفاهم « 1 » أن يبقى النبي في المدينة وألايتعرض في كلامه لأمورهم المالية ، فكانت الحديبية ، وسياسة ( تأليف القلوب ) أو بعبارة أخرى سياسة التسامح والتساهل المتبادل ( Compromis ) فصار الناس ( يدخلون في دين اللّه أفواجا ) لا عن اعتقاد بصحة الدين الجديد الذي لم يكونوا يعرفون عنه إلا الشيء القليل ، بل عن رغبة في التقرب من أصحاب السلطة الجدد ، وحفظا لمراكزهم القديمة وثروتهم المجموعة في أجيال . يخيل لي - يقول جوزي - إن من جملة الشروط التي اتفق عليها الطرفان في الحديبية أو في زمان ومكان آخرين ، أن يكفّ النبي عن الطعن في الملأ المكي ، وأن لا يحرّض صعاليك العاصمة الحجازية وأرقاءها عليه ، وهذا - على ما يظهر لي - أحد أهم أسباب خلو السور المدنية ، ولا سيما تلك التي نزلت في الدور الأخير ، من العبارات القارصة والطعن في سكان مكة « 2 » . وهناك سبب آخر لا يقل خطورة عن الذي ذكرناه الآن ، وهو أن حالة النبي الاجتماعية في المدينة تغيرت - كما هو معلوم - تغيرا ظاهرا أدى إلى تغيير نفسيته . فكان من نتائج هذا التغيير ومن الأسباب التي ذكرنا بعضها وغيرها مما لم نذكر ( ؟ ) أن بعض إصلاحات النبي الاجتماعية والدينية جاءت مبتورة ، وفيها شيء مما يدعوه الأوروبيون : التساهل » « 3 » . ويمضي بندلي جوزي إلى القول بأن « الدور المكي كان دور تمهيد

--> ( 1 ) أي تفاهم هذا ؟ وفي أي مكان وزمان تم ؟ وأية رواية أوردته ؟ وفي أي مصدر على الإطلاق ؟ ( 2 ) هذه غاية ما يمكن أن يصل إليه مؤرخ من خروج على مستلزمات البحث العلمي ، وعبث صريح بالوقائع التاريخية ، وإلا ففي أي زمان ومكان وضعت هذه الشروط ؟ وأين هي من شروط صلح الحديبية التي تواترت بنصوصها الحرفية في كافة المصادر والمراجع ؟ ( 3 ) من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ص 49 - 50 .