عماد الدين خليل

199

دراسة في السيرة

أمر بلالا أن يصعد إلى ظهر الكعبة فيؤذن هناك . وبعد ثلاثة أيام من إقامة المسلمين في مكة وأداء مراسيم العمرة ، بعثت قريش إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم من يقول له : إنه قد انقضى أجلك فأخرج عنا ، فقفل الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأصحابه عائدا إلى المدينة ، وصدقت رؤيا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وكلمات اللّه : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً « 1 » ! ! كان لعمرة القضاء - وأحداث الحديبية من قبلها - أثرها الخطير في مكة نفسها ، فإن أهلها رأوا من تضامن المسلمين وتعاونهم وتعاطفهم ، وحسن نظامهم والتفاهم بينهم ، واقتدائهم بنبيهم ، ما جعلهم يدركون أن مثل هذه الجماعة لا يمكن الوقوف في وجهها وليس من أمل في التغلب عليها ، حتى لقد كانت عمرة القضاء قضاء تاما على روح العناد والمقاومة في قريش ، وحتى لقد أدرك عقلاؤها أن من الخير الانضمام إلى محمد ، يتمثل ذلك في إسلام خالد بن الوليد وعمرو ابن العاص وعثمان بن طلحة ، حارس الكعبة . وبإسلام هؤلاء الثلاثة أسلم عدد كبير من أهل مكة وأصبحت مكة في حكم البلد الذي فتح أبوابه للدعوة الإسلامية ، ولم يبق إلا أن تفتح أبوابها وتسلم القياد للمسلمين « 2 » ، ومن ثم يمكن اعتبار فتح مكة قد تم للمسلمين من يوم عمرة القضاء لأن هذه العمرة أثرت على معنويات قريش أعظم التأثير . إن عمرة القضاء فتحت قلوب قريش ، وغزوة الفتح فتحت أبوابها « 3 » ! !

--> ( 1 ) سورة الفتح ، الآية : 27 ، ابن هشام ص 268 - 270 الطبري 3 / 23 - 25 ابن سعد 2 / 1 / 87 - 89 الواقدي 2 / 731 - 741 البلاذري : أنساب 1 / 353 المسعودي : التنبيه 228 ابن حزم : جوامع ص 219 - 220 ابن الأثير : الكامل 2 / 227 - 228 ابن كثير : البداية 4 / 226 - 232 . ( 2 ) الشريف : مكة والمدينة ص 468 - 469 . ( 3 ) شيت خطاب : الرسول القائد ص 238 .