عماد الدين خليل
183
دراسة في السيرة
وعندما سمعت غطفان بما فعلت قريش قفلت هي الآخرى عائدة إلى بلادها « 1 » . ومد المسلمون أبصارهم فجر اليوم التالي إلى ما وراء الخندق فلم يروا أحدا فعرفوا آنذاك إن مقاومتهم التي جاوزت العشرين يوما قد آتت ثمارها ، وأن إيمانهم قد صمد لأخطر محنة جابهوها طيلة حياة الكدح والمطاردة والحرب والكفاح . . ليس هذا فحسب ، بل إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أعلمهم أن الموقف العسكري إزاء الوثنية قد تبدل أساسا وانقلب من الدفاع إلى الهجوم فقال مخاطبا جموع المقاتلين عند الخندق : لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم « 2 » . ومن الحق أن يعتبر ارتداد الأحزاب عن المدينة نصرا عظيما ، ولا نرتاب في أنه كان ذا أثر كبير فيما تم من تعالي الإسلام وانتشار قوته ودعوته فيما بعد . . وإنه كان لهذا الارتداد أثره السلبي والإيجابي في آن واحد ، إذ جعل العرب المتربصين والأعداء والمنافقين يرون في هذه النتيجة دلالة النصر الرباني والقوة المعنوية العظيمة فيقفون عند حدهم . ولم يفكر المكيون بعد بمتابعة عدوانهم « 3 » ، ولم يعد في الإمكان بعد هذا اليوم أن يتجمع خصوم المدينة على هذه الصورة ، فقد أصبحت قريش تشك في ولاء القبائل العربية ، كما أصبحت القبائل نفسها تشك في قدرة قريش وفي إمكانها التغلب على المسلمين « 4 » .
--> ( 1 ) ابن هشام ص 220 - 222 الطبري 2 / 579 - 581 ابن سعد 2 / 1 / 50 الواقدي 2 / 487 - 491 . ( 2 ) ابن هشام ص 233 الطبري 2 / 593 البخاري : تجريد 2 / 82 . وعن الآيات المتعلقة بمعركة الخندق انظر : سورة الأحزاب : الآيات 9 - 27 . ( 3 ) دروزة 2 / 245 - 246 . ( 4 ) الشريف : مكة والمدينة ص 458 . وعن سرايا ما بعد الخندق أحيل القارئ إلى ابن سعد 2 / 1 / 56 - 68 الواقدي 2 / 531 - 571 والمسعودي : التنبيه ص 218 - 221 .