عماد الدين خليل

130

دراسة في السيرة

دراهم . كان يلبس الصوف - أرخص شيء وأكثره إيلاما للجسد - ويخصف النعل ويرقع القميص ويركب الحمار . وكانت له حصيرة ينام عليها ، ويبسطها في النهار فيجلس عليها ، ولقد نام عليها حتى أثرت في جنبه . وكانت له مخدة من جلد حشوها ليف . وأحيانا ينام على عباءة تثنى مرتين فطوتها زوجته حفصة أربع مرات ، فلما نام عليها كان من لينها أن استغرق في النوم حتى فاتته صلاة الليل فنهى حفصة عن ذلك وأمرها أن تعيد العباءة إلى وضعها الأول . ورأت امرأة من الأنصار ما ينام عليه فأهدته مرتبة من الجلد حشوها صوف فأمر عائشة بأن تردها ، أمرها ثلاث مرات وعائشة أم المؤمنين وزوجة رسول اللّه تقول : فلم أردها حتى أمرني ثلاث مرات لأنني كنت أحب أن يكون في بيتي مثل هذا . ولم يكن يحب الفقر ولا يرضى به وكان في دعائه يستعيذ منه . وكان يستطيع أن يملك ثروة جزيرة العرب كلها . وكان يعطي كما وصفه أعرابي ( عطاء من لا يخشى الفقر ) . ولو احتفظ بنصيبه من الغنائم كأي فرد من جيشه لكان من أغنياء العرب . . ولكن ما دامت البشرية قد كتب عليها أن تعيش قرونا عديدة وفيها الفقر والغنى فخير نظام تصل إليه هو ذلك الذي يجعل حكامها في جانب الفقراء ، فما أبشع أن تجتمع السلطة والغنى في جانب واحد . . وعشرات غير هذه الوقائع والأمثلة . . عشرات « 1 » . إن تجربة المؤاخاة نجحت وكان لا بد لها أن تنجح ما دامت قد استكملت الشروط وتهيأت لها الأسباب في القيادة والقاعدة على السواء ، وبغض النظر عن عدد الذين تاخوا عشرات كانوا أم مئات أم ألوفا . وخلال ذلك أخذت الصلاة شكلها النهائي ، وفرضت زكاة الفطر ، وكتب الصيام ، ورسمت الحدود ، وفرض الحلال والحرام وحدد الأذان كنداء يدعى به المسلمون إلى الصلوات الخمس وكانوا يجتمعون لمواقيتها دونما دعوة ، أما القبلة فقد كانت لأول أمرها متجهة صوب بيت المقدس ثم تحولت إلى الكعبة بعد سنة ونصف من الهجرة « 2 » . رابعا : الجيش : هنالك أسباب عديدة ومتشعبة تفسر عدم السماح للرسول

--> ( 1 ) انظر بالتفصيل محمد جلال كشك ( الحق المر ) ص 44 - 48 ابن كثير : البداية والنهاية 5 / 282 - 284 . ( 2 ) انظر : الطبري : تاريخ 2 / 400 : 415 - 418 وابن سعد 1 / 2 / 3 - 5 والبلاذري : أنساب 1 / 271 - 273 وابن الأثير : الكامل 2 / 115 وانظر بالتفصيل ابن كثير 2 / 231 - 233 ، 252 - 256 .