عماد الدين خليل

127

دراسة في السيرة

صنعوا للمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وإثرتهم على أنفسهم ثم قال : ( إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء اللّه عليّ من بني النضير وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم ) فأجابه زعماء الأوس والخزرج : يا رسول اللّه بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا . ونادت الأنصار : رضينا وسلمنا يا رسول اللّه « 1 » . وقابل المهاجرون إيثار إخوانهم وسماحتهم بتقدير كامل وسماحة مماثلة رافضين منذ البدء أن يكونوا إتكاليين على إخوانهم وعالة على أولئك الذين آووهم وقاسموهم . . وليست قصة عبد الرحمن بن عوف مع أخيه الأنصاري سعد بن الربيع سوى مثل واحد من عديد من الأمثلة على هذا التقابل الأخوي العادل في الأخذ والعطاء . روى البخاري أن المهاجرين لما قدموا المدينة آخى رسول اللّه بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها . فقال عبد الرحمن : بارك اللّه لك في أهلك ومالك أين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تبع الغدو . . وما لبث أن جاء يوما وعليه آثار زينة فقال النبي : مهيم ؟ أجاب : تزوجت . فقال : كم سقت إليها ؟ قال عبد الرحمن : نواة من ذهب . لقد كان ( الإخاء ) تجربة رائدة في تاريخ العدل الاجتماعي ، ضرب الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيه مثلا على مرونة الإسلام وانفتاحه في الظرف المناسب على أشد ( أشكال ) العلاقات الاجتماعية مساواة وعدلا ، ورد فيه ، وفق المنطق الإلهي الذي لا يحابي ولا يداجي ، على كل القائلين بأن الإسلام جاء لكي يمثل ( إصلاحا ) جزئيا للمسألة الاجتماعية لأن ( العصر ) الذي تصوغه ( وسائل الانتاج ) لم يتح له أن يتحرك لصياغة عالم جديد من العلاقات لم تسمح المرحلة الانتاجية بعد بصياغته ولم تأمر بها . وسنرى فيما بعد ، عبر سني الدعوة الحافلة ، المزيد من التجارب الاجتماعية التي تصفع هذا التحليل الخارجي الصارم ، تلك التجارب التي لا تقل في خطورتها ودلالتها عن تجربة الإخاء .

--> ( 1 ) الواقدي : 1 / 379 .