عماد الدين خليل

113

دراسة في السيرة

الرسول في ضحى أحد الأيام ، على غير عادته في التردد على داره صباحا أو مساء . . خطوة من خطوات الإيهام والتدبير بأولئك الذين يريدون أن يمكروا به . . ودهش أهل الدار لمجيء الرسول في وقت لم يعتادوه ، لكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يلتفت إلى دهشتهم ، بل يتجه إلى رفيقه فورا ويطلب منه أن يخرج ابنتيه من المكان ، فيطمئن أبو بكر الرسول بأنه ليس ثمة ما يخشى ، ويتكلم الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أذن لي في الخروج والهجرة » فيرد عليه الصديق وهو يهتز فرحا : « الصحبة يا رسول اللّه ؟ » فيجيبه الرسول : « الصحبة » . وتقول عائشة : « فو اللّه ما شعرت قط ، قبل ذلك اليوم ، أن أحدا يبكي من الفرح ، حتى رأيت أبي يبكي يومئذ » ! ! ومعا استكملا الخطة ووضعا الأسباب ، وتركا - من ثم - مصيرهما ومصير الدعوة للّه ، صانع المصائر ومقدر الأقدار . . . التسلل من شباك خلفي على غفلة من قريش . . التوجّه جنوبا على طريق اليمن واللجوء إلى إحدى مغارات جبل ثور هناك . . التوقف عن السير ثلاثة أيام ريثما تخف محاولات القرشيين المستميتة في البحث عن الرسول ، ثم الانطلاق - بعد ذلك - صوب يثرب في طريق وعر غير مطروق ، يعينهما في ذلك دليل ماهر من المشركين أنفسهم ، اختير اعتمادا على كفاءته العالية كدليل ، وعلى أمانته التي لا بد وأن يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد سبر أغوارها ، أما أنباء تحركات القرشيين ومطارداتهم فسيأتيهما بها عبد اللّه بن أبي بكر ، وأما توفير الطعام فسيقوم به راعي أبي بكر ، عامر بن فهيرة ، الذي كلّف بإراحة الأغنام عند الغار مساء كل يوم كي يحتلبها المهاجران ويشربا من لبنها . . كما كلفت أسماء بتوفير الطعام في المرحلة التالية من الهجرة ، وأما آثار الأقدام الذي سيخلفها عبد اللّه بن أبي بكر لدى ذهابه وإيابه ، والتي تقود إلى الغار مباشرة فإن هناك راعي أبي بكر يعود في الأمسيات في أعقاب عبد اللّه لكي تطمس حوافر الأغنام على خطوات الرجال ! ! خطة محكمة ورائعة . . ولا يبقى إلا أن يتنزل نصر اللّه على قادة استكملوا كل الأسباب التي منحهم اللّه إياها . . إنه التوافق المنغم الرائع ، الذي تحدثنا عنه ، بين مشيئة اللّه وإرادة الإنسان ، وبين هدي اللّه وخطوات عباده الأبرار . .