عماد الدين خليل
111
دراسة في السيرة
وكلاهما كان نقيبا - فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه وأوثقوه رباطا ثم اقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه من شعره الكث » . . . لكنه سرعان ما تذكر اثنين من تجار المشركين ، كان يجيرهما لدى مرورهما بيثرب ويمنعهما ممن كان يريد ظلمهما هناك ، فاستجار بهما فهرعا إليه وخلصاه من أيدي القرشيين ، فانطلق إلى يثرب ليلحق برفاقه الذين سبقوه إليها « 1 » ، وراحت قريش تشدد قبضتها على المسلمين في مكة وتزيد من اضطهادهم ، بعدما رأت من تجاوب أهل يثرب معهم « فأصاب المسلمين جهد شديد ، وكانت الفتنة الآخرة ، وكانت فتنتين ، فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة . . وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة » « 2 » . [ 2 ] أصدر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أوامره إلى أصحابه بأن يبدأوا هجرتهم ، مختفين ، متفرقين قدر الإمكان . . وبدأت طرقات مكة وبيوتها وأزقتها ونواديها تشهد يوما بعد يوم غيابا مستمرا لأصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم . . أما هو صلى اللّه عليه وسلم فكان ينتظر تأمين هجرة أصحابه . . ثم يبدأ هو ومن سيختارهم للبقاء معه ، خطواته صوب المدينة ريثما يتلقى إشارة الوحي الأمين بالتحرك . وفتح القرشيون يوما أعينهم على مكة وقد أقفرت من المسلمين ! ! لقد غادروها صوب المهمة التي تنتظرهم مخلفين وراءهم أموالا وبيوتا ونساء وأطفالا وشيوخا ومتاعا كثيرا . . . إن الهدف الذي تحركوا من أجله أغلى وأثمن من الأموال والبيوت والمتاع ، وأكثر إلحاحا من تلبية مطالب جسدية أو حياتية أو اجتماعية . . إنهم مستعدون لأن يبذلوا أرواحهم ودماءهم في سبيل هذا الهدف الذي ينتظرهم هناك في نهاية الهجرة ، فكيف لا يتخلون عن الأموال والنساء والمتاع ؟ وها هي رؤوس قريش تجتمع في ( دار الندوة ) قبل أن تفلت الفرصة من أيديهم ولات حين مندم . . وطرحت آراء باعتقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتكبيله بالأغلال أو
--> ( 1 ) ابن هشام ص 114 - 115 الطبري : تاريخ 2 / 365 ، 367 - 368 ابن سعد 1 / 1 / 150 البلاذري : أنساب 1 / 254 . ( 2 ) الطبري : تاريخ 2 / 366 البلاذري : أنساب 1 / 257 .