عماد الدين خليل
107
دراسة في السيرة
يمكن أن تكون الوطن ، ومن ثم راح الرسول يجاهد من أجل الهجرة التي تمنح المسلمين دولة ووطنا ، وتحيط كيانهم الغضّ بسياج من إمكانيات القوة والتنظيم والأرض ! ! ولن نستطيع أن نحدد بالضبط تلك البدايات . . لكنا نعلم - كما مرّ بنا - أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدأ نشاطا واسعا ومشهودا إثر خروج المسلمين من حصارهم القاسي في ( شعب أبي طالب ) ، ذلك الحصار الذي استغرق سنين طوالا ، وجاء إشارة حاسمة إلى أن المشركين عامة ، والقيادة الوثنية القرشية على وجه الخصوص ، لا يمكن بحال أن تهادن المبدأ الجديد ، الذي جاء يمثل رفضا حاسما لكل قيم الوثنية وأهدافها وتقاليدها ومصالحها . . وأنهم سيظلون يدفعون حتى النهاية الأخطار التي يمثلها الإسلام بوجه أهدافهم وتقاليدهم ومصالحهم . والرسول صلى اللّه عليه وسلم - الذي علمتنا سيرته مدى الواقعية الإيجابية التي كان يتمتع بها ، والحرص على الطاقة الإنسانية ألّا تتبدد في غير مواضعها - سرعان ما نجده يتحرك صوب الخروج إلى مكان جديد يصلح لصياغة الطاقات الإسلامية في إطار دولة تأخذ على عاتقها الاستمرار في المهمة بخطى أوسع ، وإمكانات أعظم بكثير من إمكانات أفراد تتناهبهم شرور الوثنية من الداخل وتضغط عليهم قيم الوثنية من الخارج ويستنزف طاقاتهم البناءة اضطهاد قريش ، بدلا من أن تمضي هذه الطاقات في طريقها المرسوم . إن هجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدأت فعلا يوم خرج إلى الطائف ، فصدّ صدّا قاسيا ، لكنه لم ييأس ، لأنه يعلم يقينا أن الخاتمة ستكون له ، فقط إذا استمر على بذل جهده البشري الكامل في البحث والتخطيط للهجرة التي ستعقب دولة ، وللدولة التي ستعقب انتصارا . . . ووقف عند أسفل جدار لبستان في الطائف ، ريثما يستريح ، ونادى ربه ( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ) ! ! ثم واصل الطريق وراح يتصل دون كلل بوفود القبائل التي كانت تنهال على مكة في مواسم الحج ، يعرض عليهم الدين الجديد ، ويعرض مع الدين الجديد طلبا بأن يمنحوه أرضهم ويحموه ، لكي يتمكن من ( الإسراع ) في أداء مهمته الصعبة قبل أن يجيء البين ويضطرب المصير . إن الهجرة كان يمكن أن تكون إلى الطائف ، أو إلى ديار أية قبيلة عربية قوية الجانب عزيزة المنال ، سواء كانت بلادها في الشرق أو في الغرب . . لكن أيا