محمد ابو زهره

859

خاتم النبيين ( ص )

فيها ، ولم يمكنى كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة ، قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت نعم ، قال فكيف قتالكم إياه ؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا ، وننال منه . قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة ، والصدق والعفاف والصلة . قال للترجمان بعد ذلك قل له : سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله ، فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول لقلت : رجل يتأسى بقول قيل قبله ، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا ، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه . وسألتك ، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه ما كان ليذر الكذب على الناس ، ويكذب على اللّه ، وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك أهم يزيدون أم ينقصون ؟ فقلت إنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ، وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون ، وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف . فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه . كان لهذا الكلام أثره في نفس أبي سفيان العدو المشرك ، فقال : « لقد أمرّ أمر ابن أبي كبشة ( زوج المرضع التي أرضعت النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ) أنه يخافه ملك الأصفر ، وهذه بلا ريب كلمة الشرك ، ولكن كان الكلام من هرقل له أثر أعمق من ذلك في نفس أبي سفيان ، فقد قال : ما زلت موقنا أنه سيظهر ، حتى أدخل اللّه تعالى على الإسلام . ولكن فتحت له مغاليق كانت متكافئة في نفسه ، حتى لا تكشف فيه قلب المسلم . 579 - هذا أثر الكتاب في قلب هرقل ، ونراه يصدق كل ما فيه ، ويميل إلى الإسلام ، وقبول ما جاء به محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولكن هل أذعن للحق ، وقبل الإسلام دينا ! ! يظهر أنه حاول ذلك ولكن قومه لم يقبلوه ، وتخير بين الإسلام والإذعان ، وبين البقاء على الملك ، فاختار الملك ، وبذلك اشترى الضلالة بالهدى ، فبارت تجارته عند اللّه . ولنذكر الأمر كما وقع ، وما كان ينبغي أن يقع ، ولكنه الابتلاء :