محمد ابو زهره

856

خاتم النبيين ( ص )

ولذا كانت الوفود من بعد ذلك تجيء من القرى والقبائل تعلن إيمانها ، وتتعلم الإسلام ، وتسمع تلاوة القرآن الكريم كما سنتكلم إن شاء اللّه تعالى على الوفود التي جاءت تترى والتي جاءت بنور الحق لتسمع الحق من الداعي إلى الحق ، وإن ذلك كله جاء من تسامع العرب بمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وكانت الحروب من أسباب ذلك . وإن انتهاء القتال بصلح ابتداء ، ثم بمواجهة بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وبين من يعاديه هي الآخرى دعوة إلى الإسلام في هدأة النفوس ، وقرار القلوب ، وقد صار صوت الحق هو وحده الذي يتكلم ، وسكتت صلصلة الأسلحة ، وفي هذه الهدأة وقد خبت العداوة ، واطمأن الجامح ، ولم تكن العداوة التي تؤجج النفوس بل السلم العزيز الذي يرطب النفوس والأفئدة . وحينئذ دخل بعض العرب ، ومال الذين كانوا يحاربون النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى الإسلام ، وبدأوا يفكرون بقلب سليم من الأضغان ، قد استلت منه الأحقاد وسخائم النفوس ، وما كان المشركون لينفروا من الإيمان إلا جحودا وعنادا . فإذا اختفى العناد كان التفكير السليم ، وهو سبيل الإسلام ، وكان كل أمر بعد ذلك يوجه إلى الإيمان ، ولا يرنقه حقد ، ولا محنة ، ولا إحنة ، وتوالت الأمور التي تقرب الأرحام ، وتصل من كانوا قد قطعوه من رحم متوادة رحيمة . وإن عمرة القضاء التي كانت في العام السابع دنت بها قلوب كانت متباعدة ، وأذن المؤذن تكبيرا للّه تعالى وحده على الكعبة الكريمة المشرفة زادها اللّه تعظيما ، عندئذ مالت قلوب أعتى الكافرين عداوة . وإن لم يتقدموا بالإيمان ، حسبك أن يكون منهم عكرمة بن أبي جهل فقد مال إلى الإسلام ، وأن يعمل على إعلان إيمانه كما فعل صاحبه خالد بن الوليد ، وعثمان بن طلحة ، وعمرو بن العاص . فقد رأت قريش محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم يعظم البيت الحرام . ويقيم شعائره ، وينحر الهدى عند المروة ويقيم المودة بدل القطيعة ، ويحاول أن يقيم وليمة يتناولون فيها الطعام على مائدة الرحمن . . دخل إلى مكة المكرمة راضيا ، وخرج عنها وهم راضون . وبعد أن خرج أخذت النفوس تفكر في الإسلام ، لقد وقف خالد بن الوليد يدعوهم إلى التفكير في أمر محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، « لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ، ولا شاعر ، وأن كلامه من كلام رب العالمين ، فحق على كل ذي لب أن يتبعه » . بلغ أبا سفيان ما قاله خالد ، فسأله عن صحة ما سمع ، فأكده ، فاندفع أبو سفيان غاضبا ، وقد باعد بينهما عكرمة بن أبي جهل وكان يميل في هذه القضية إلى خالد ، فقال : مهلا يا أبا سفيان أتقتلون خالدا على رأى رآه ، وهذه قريش كلها عليه ، واللّه لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة المكرمة .