محمد ابو زهره
844
خاتم النبيين ( ص )
قول رجل لقيناه ببئر أبى عنبة يصيح يا رباح يا رباح فتفاء لنا ، بقوله وسرنا ، ثم نظر إلينا ، فأسمعه يقول : قد أعطت مكة المكرمة المقادة بعد هذين فظننت أنه يعنيني ، ويعنى خالد بن الوليد ، وولى إلى المسجد سريعا ، فظننت أنه بشر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بقدومنا ، فكان كما ظننت وأنخنا بالحرة ، فلبسنا من صالح ثيابنا ، ثم نودي بالعصر فانطلقنا على محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدم عثمان بن أبي طلحة فبايع ، ثم تقدمت ، فواللّه ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه ، فبايعته على أن يدعو اللّه سبحانه وتعالى أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ، فقال إن الإسلام يجب ما قبله والهجرة تجب ما قبلها ، فواللّه ما عدل بي رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا » . نقلنا الحديث بطوله ، وكنا نود أن نحذف الجزء الأخير ، وهو أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يعدل أحدا من أصحابه . فإنا لا نحسب يمينه في هذا برة إن كانت صحيحة النسبة إليه ، لقد كانت بعد ذلك غزوة مؤتة وتبوك وفتح مكة المكرمة وهوازن وحنين فلم يعدل بهما علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وأبا عبيدة عامر بن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص . إن هذه اليمين غير البرة فرية عليه أو غير ذلك ، ولماذا كان اللواء لزيد بن حارثة ، ثم لجعفر بن أبي طالب ، ثم لعبد اللّه بن رواحة ، ولم يتولها خالد إلا حيث لم يكن وال يحملها . ومهما يكن من أمر هذه اليمين ، فإن ما جاء على لسانه يدل كما دل كلام صاحبه على أن إسلامهم ابتداء كان لمصلحة ، وقد أشرب قلوبهم الإيمان من بعد . هذا عمرو كان يقول لو أسلمت قريش كلها ما أسلم ، ثم يخرج ببعض قومه ليحرض النجاشي على المؤمنين ، ويحاول أن يتمكن من قتل رسول من عند رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فيلطمه النجاشي لطمة جدعت أنفه . هذه اللطمة هي التي نبهته إلى الحق ، أم نبهه غضب النجاشي ، وإرادة إرضائه . ليس في الوقائع التي ذكرها ما يدل على أنه رأى في النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن اللّه مانعه ، فهو لم ير شيئا من ذلك ، ولذلك نقول إن إسلامه كان لمصلحته الشخصية الدنيوية ولعل الإسلام قد دخل قلبه من بعد ذلك حتى صار إيمانا ، وهذا ما رجحناه . وفي قصة عمرو بن العاص عن نفسه ما يدل على أنه رجل لا يظهر في الهيجاء ، ويبغى لنفسه الانحياز عن مواطن الردى ، فهو يحضر بدرا ، وينجو ، وأحدا وينجو ، والخندق وينجو ، ويظهر أنه لم يقتل ولم يقاتل بل كان من النظارة أو المدبرين ، كما كان شأنه في القتال بين إمام الهدى علي بن أبي طالب ومعاوية يدبر في حرب البغاة .