محمد ابو زهره

818

خاتم النبيين ( ص )

وأن معنى الحديث أن يباع الذهب بالذهب مثلا بمثل ، والفضة بالفضة مثلا بمثل ، فإن تعذرت المماثلة بين التبر والذهب العين ، فإنه لا يصح البيع ، بل يجب أن يتخالف الجنس فيباع تبر الذهب بالفضة ، وتبر الفضة بالذهب لأن المماثلة في هذه الحال غير واجبة . ولقد جاء بعد ذلك الحديث السابق وهو أعم من الذهب والفضة وجاء بعد ذلك في أحاديث أخرى التمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد أي اشتراط القبض في الحال ثابت ، ولا يصح التأجيل وأن الردئ لا يضاعف في سبيل الجيد من هذه الأصناف ، وقد ثبت في غزوة خيبر ، فقد جاء في تاريخ الحافظ ابن كثير أن البخاري روى عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر ، فجاء بتمر جنيب ، فقال عليه الصلاة والسلام : أكل تمر خيبر هكذا ؟ فقال : لا واللّه يا رسول اللّه إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، فقال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : لا تفعل هذا بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا . وإن هذا الحديث الصحيح يدل على أمور ثلاثة : أولها : أن تطبيق ربا البيوع كان في خيبر ، ولعله كان ابتداء تحريمها . وثانيها : أن الجنيب بلح جيد ، وأن غيره دونه ، ولذلك كانوا يلاحظون هذه التفرقة عند المبايعة ، فالجنيب يبادل بضعفه ، أو الاثنين بثلاثة ، وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم نهى عن البيع بغير المماثلة في التمر والبر والشعير والذهب والفضة ، والملح ، والزيت في بعض الروايات ، وغيرها من المطعومات . ثالثها : الطريق في التعامل بهذه الأشياء التي لا يصح البيع فيها إلا بالتماثل في الكيل أو الوزن عند اختلافها في الجودة ، قد بينه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأن يبيع الرديء ، ويشترى بثمنه جيدا وهذا الحديث الذي جاء في خيبر روى في معناه أن رجلا جاء إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وقال : عندي بسر وأريد رطبا ، فقال له النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : بع البسر ، واشتر رطبا . وهذه الفتوى النبوية فيها فائدة لمن عنده بسر ، وفائدة لغيره ، ففائدة صاحب البسر أنه استبدل به رطبا ، وهو ما يشبهه ، وفائدة المشترى أنه أخذ البسر ، وربما يبتغيه ، وهناك فائدة لثالث ، وهو أن يأكل من ليس عنده بسر ، ولا رطب ، فلا يحرم من البلح حرمانا كاملا . وقبل أن نترك هذا الخبر الذي جاء تطبيقه في غزوة خيبر لا بد من التعرض بالإجمال لموضوعين : أحدهما حكمة التحريم ، والثاني العلة القياسية التي يمكن أن يطبق فيها النص على غير هذه الأنواع من المبيعات .