محمد ابو زهره
1100
خاتم النبيين ( ص )
ثانيا : على أن اللّه تعالى اقتضت حكمته أن يؤكد إبطال ذلك الحكم الجاهلي الذي يدخل في الأسرة بحكم النسب من ليس منها ، فلا تتعاطف بحكم الفطرة ، وتفسد الأسر ، واقتضت حكمته أن يكون تأكيد الإبطال بالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يتزوج زوجة دعيه ، وقد فسدت العلاقات بينهما بتململ القرشية من أن تكون تحت غير قرشي هو عتيق وليس ابنه ، فاستكبرت ، وتململ زيد من كبريائها فأراد تطليقها ، فقال له الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمسك عليك زوجك ، وهو يعلم أن اللّه كتب أن يطلقها ، وكتب على محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يتزوجها ، ولكنه يخفى في نفسه ما لا يبديه من أن اللّه تعالى كتب الطلاق من زيد ، وللزواج منه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لأنه يخشى أن يجابه العرب ، بمخالفة ما ألفوا . ولقد أمر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأن يتزوجها بعد الطلاق لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرا . كما دلت الآيات : ثالثا : على أن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يكن أبا لأحد من رجال العرب ، إن انتفت أبوة الأدعياء ، هذا ما تدل عليه الآيات الكريمات بظاهرها ، ومقصدها ومرماها . ولكن الذين يفسدون المعاني ، ويريدون الكيد للإسلام اخترعوا هذا اختراعا في العهد الأموي ، اخترعها يوحنا الدمشقي ونشرها بين المسلمين ليقولها أتباعه ، وينشروها بين بعض التابعين ، وقد توهم صدقها بعض الذين تبهرهم الروايات من غير تمحيص ، ومع الأسف كان من بين هؤلاء أبو جعفر بن جرير فنقلها مصدقا لها ، ونقلها أكثر المفسرين عنه ، حتى بين كذبها وافتراءها ابن كثير في كتابه تفسير القرآن العظيم ، رضى اللّه تعالى عنه ، وعفا اللّه عن الطبري في أن نشر ذلك الضلال ، وإن نقل الكذب لا يحوله إلى صدق ، ولو كان الطبري ناقله . ومن الغريب أن حملوا الآية الفرية التي افتروها ، وكان المتعصبون من غير المسلمين هم الذين ادعوها ، لقد ادعوا أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم رآها تغتسل ، فوقع في قلبه حبها ، فأراد من زيد أن يطلقها ليتزوجها ، وادعوا أن ذلك هو ما أخفاه ، وخشي من الناس ، وأن اللّه أبداه ، وإن ذلك لا يمكن أن ينطبق بحال من الأحوال على معاني الآية وظواهرها ، إلا أن يكون ذلك اختراعا اخترعوه ، ويدل على مناهضة الآية لهذه المعاني الفاسدة ما يأتي : أولا : أن الزواج منها لم يكن كما تدل الآية برغبة من النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، حتى تكون الشهوة هي المحركة ، بل إن الزواج كان بأمر اللّه تعالى وذلك بنص الآية بقوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ .